التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٦ - تدوين القراءات المشهورة
أتمّ عناية واشتهروا في قراءة القرآن وإقرائه، حتى صاروا في ذلك أئمّة يقتدى بهم ويرحل إليهم ويؤخذ عنهم.
وهكذا أجمع المسلمون من أهل البلاد، وكان أهل كلّ بلد يأخذون من القارئ الذي حلّ بينهم، ويتلقّون قراءاتهم بالقبول، ولم يختلف عليهم اثنان، ولتصدّيهم للقراءة نسبت إليهم.
وممّن اشتهر منهم بالمدينة: أبوجعفر يزيد بن القعقاع، ثمّ شيبة بن نصّاح، ثمّ نافع بن أبي نعيم.
وبمكّة: عبداللّه بن كثير، وحميد بن قيس، ومحمد بن محيصن.
وبالكوفة: يحيى بن وثّاب، وعاصم بن أبي النجود، وسليمان الأعمش، ثمّ حمزة ثمّ الكسائي.
وبالبصرة: عبداللّه بن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر، وأبو عمروبن العلاء، ثمّ عاصم الجحدري ثمّ يعقوب الحضرمي.
وبالشام: عبداللّهبن عامر، وعطيّة بن قيس، وعبداللّه بن المهاجر، ثمّ يحيى بن الحارث الذماري، ثمّ شريح بن يزيد الحضرمي.
والقرّاء بعد هؤلاء كثروا وتفرّقوا في البلاد وانتشروا، وخلفهم أُمم بعد أُمم عرفت طبقاتهم- حسبما تقدّم إجماليا- واختلف صفاتهم وسيرتهم في الأخذ والتلقّي والقراءة والإقراء، فكان منهم المتقن للتلاوة، مشهورا بالرواية والدراية، ومنهم المقتصر على وصف من هذه الأوصاف. وكثر بينهم لذلك الاختلاف، وقلّ الضبط، واتسع الخرق، وكاد الباطل يلتبس بالحقّ- على حدّ تعبير ابن الجزري-[١] فقام جهابذة علماء الأُمّة، وكبار الأئمّة، فبالغوا جهدهم في التمحيص وتمييز الصحيح عن السقيم، والمشهور عن الشاذّ بأُصول أصلوها وقواعد رصفوها، وأصبحت القراءة، بذلك فنّا من الفنون، له قواعد متقنة وأُصول محكمة، وفيه الاجتهاد والاختيار. وقد شرحنا طرفا من ذلك في فصل سابق.
[١] - راجع: النشر، ج ١، ص ٩.