التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١ - القراءات في نشأتها الاولى
لكنّه لم يكترث به وأبدى تساهله بشأن الإصلاح، الأمر الذي يُؤخذ عليه شديدا. هذا فضلًا عن دلالة الأمر على عدم كفاءة الأشخاص الذين انتدبهم عثمان لهذا الأمر الجلل، وعدم جدارتهم للقيام بهكذا عمل خطير. ومع ذلك فإنّ الخليفة لم يُعِد النظر في أمر القرآن، ولعلّه كان تسرّعا في الأمر بلامبرر معقول.
يحدّثنا ابن أبي داود: أنّهم بعد ما أكملوا نسخ المصاحف، رفعوا إلى عثمان مصحفا فنظر فيه فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى فيه شيئا من لحن، ستقيمه العرب بألسنتها. ثمّ قال: أما لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا.[١] ماندري لم هذا التساهل بشأن كتاب اللّه العزيز الحميد!
ولعلّ معترضا يقول: هب أنّ الخليفة عثمان تساهل بشأن الخلل الذي لمسه في مرسوم خطّ المصحف، فلماذا تساهل الخلفاء من بعده بهذا الشأن، ولاسيّما مثل الإمام أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام الذي كان أعلم الصحابة بالقرآن وأحرصهم على حفظه وجمعه.
قلنا: سبق منّا الإجابة على ذلك، وأنّه لم يكن من مصلحة الأُمّة مساس القرآن بعد ذلك- بيد إصلاح قط. وإلّا لاتخذها أهل الأهواء والبدع ذريعة إلى تحريف القرآن والتلاعب بنصّه الكريم، بحجّة إصلاح خطئه، فكان يقع القرآن الكريم عرضة الأطماع والسياسات المتبدّلة حسب تطوّر الزمان.
وأوّل من أحسّ بهذا الخطر الرهيب، هو الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام فقام في وجه هذا الباب وأغلقه غلقا مع الأبد.
ذكروا أنّ رجلًا قرأ بمسمع الإمام عليه السلام «وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ»[٢] فجعل الإمام يترنّم لدى نفسه: ما شأن الطلح؟ إنّما هو طلع كما جاء في قوله تعالى: «وَ النَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ».[٣]
[١] - المصاحف لابن أبي داود السجستاني، ص ٣٢- ٣٣.
[٢] - الواقعة ٢٩: ٥٦.
[٣] - ق ١٠: ٥٠.