التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٢ - شبهات حول النسخ في القرآن
(الأُولى): أنَّ النسخ في التشريع كالبداء في التكوين مستحيل بشأنه تعالى، لأنّهما عبارة عن نشأة رأي جديد، وعثور على مصلحة كانت خافية في بدء الأمر. والحال أنّ علمه تعالى أزليّ، لايتبدّل له رأي ولا يتجدّد له علم. فلايعقل وقوفه تعالى على خطأ في تشريع قديم لينسخه بتشريع جديد.
(الجواب): أنّ النسخ كالبداء ليس على معناه الحقيقي، الذي هو عبارة عن نشأة رأي جديد وإنّما هو ظهور للناس بعد خفاء عليهم، لمصلحة في هذا الإخفاء في بدء الأمر، حسبما تقدّم تحقيقه.
فالشارع تعالى يشرّع حكما يكون بظاهره الدوام والاستمرار، حسبما ألفه الناس من دوام الأحكام المطلقة، لكنّه في الواقع كان من الأوّل محدودا بأمد معلوم لديه تعالى، ولم يظهره للناس إلّا بعد انتهاء الأمد المذكور. لمصلحة في ذلك الإخفاء وفي هذا الإظهار المتأخّر.
ولعلّ معترضا يقول: لماذا كان تحديد في الأحكام، فإذا كانت في أصل تشريع الحكم مصلحة فلتقتض الدوام، وإن لم تكن مصلحة فلا مقتضى لأصل التشريع.
قلنا: إنَّ المصالح تختلف حسب الظروف والأحوال. كوصفات طبيب حاذق تختلف حسب اعتوار أحوال المريض واختلاف بيئته والمحيط الذي يعيش فيه، فربّ مصلحة تستدعي تشريعا متناسبا مع بيئة خاصّة وفي مستوى خاصّ، فإذا تغيّرت الواقعيّة فإنّ المصلحة تستدعي تبديل تشريع سابق إلى تشريع لاحق يلتئم مع هذا الأخير.
أمّا لماذا لم ينبّه الشارع تعالى على هذا التحديد من أوّل الأمر؟ فلعلّ هناك مصلحة مستدعية لهذا الإخفاء، منها توطين نفوس مؤمنة وترويضها على الطاعة والانقياد، ولاسيّما إذا كان التشريع الأوّل أشدّ وأصعب، فيتبدّل إلى تشريع أسهل وأخفّ، تسهيلا على الأُمَّة وتخفيفا عليهم رحمة من اللّه.
(الشبهة الثانية): أنّ وجود آية منسوخة في القرآن ربّما يسبّب اشتباه المكلّفين، فيظنّونها آية محكمة يعملون بها أو يلتزمون بمفادها، الأمر الذي يكون إغراء الجهل، وهو