التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٤ - اختيارنا في ضابط القبول
اختيارنا في ضابط القبول
ونحن إذ كنّا نعتبر القرآن ذاحقيقة ثابتة، ومستقلًا بذاته، متغائرا عن القراءات جملة، فإنّ مسألة «اختيار القراءة الصحيحة» عندنا منحلّة، وهي التي تتوافق مع النصّ المتواتر بين المسلمين، منذ الصدر الأوّل فإلى الآن. ولم يكن اختلاف القراءات سوى الاختلاف في كيفيّة التعبير عن هذا النصّ، حسب اجتهادات القرّاء ولاعبرة بهم إطلاقا، وإنّما الاعتبار بالنصّ الأصل المحفوظ كاملا على يد الأُمَّة عبر الأجيال.
وقد تقدّم كلام الإمام بدرالدين الزركشي: «القرآن والقراءات حقيقتان متغائرتان ...
الخ».[١]
وكلام سيدنا الأُستاذ الإمام الخوئي رحمه الله: «تواتر القرآن لايستلزم تواتر القراءات، لأنّ الاختلاف في كيفيّة (أداء) الكلمة، لاينافي الاتفاق على أصلها ... الخ».[٢]
وهكذا تعاهد المسلمون نصّ القرآن أُمَّة عن أُمَّة، نقلا متواترا في جميع خصوصيّاته الموجودة، نظما وترتيبا، ورسما وقراءة، بكلّ أمانة وإخلاص عبر العصور، معجزة قرآنية خالدة: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ»[٣] أي على يد هذه الأُمَّة مع الأبديّة.
وعليه فالقراءة الصحيحة هي التي تتوافق مع هذا النّص المتّفق عليه لدى عامّة المسلمين، وغيرها شاذّة غير جائزة إطلاقا، ولاسيّما إذا كانت تخالفه جوهريّا فباطلة بالإجماع.
وتوضيحا لهذا الإجمال لابدّ من تمهيد مقدّمة، نستوضح فيها مسألة «تواتر النّص القرآني» ثمّ التعرّج إلى مسألة «اختيار القراءة الصحيحة» نظرا للعلاقة القريبة بين المسألتين في صميم هذا البحث، وإليك بإيجاز:
[١] - في« تصريحات أئمّة الفنّ». وراجع: البرهان للزركشي، ج ١، ص ٣١٨.
[٢] - في« القرآن والقراءات حقيقتان متغايران». وراجع: تفسير البيان، ص ١٧٣.
[٣] - الحجر ٩: ١٥.