التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٦ - تواتر القرآن
ما بين اللوحيين، ما أدري ماذا؟ إنّما هو واللّه ضرب العنق أو التوبة.[١]
انظر إلى هذا الوصف الجميل عن تواتر النصّ وأصالته: يرويه أُمّة عن أُمّة عن رسولاللّه صلى الله عليه و آله. لا فلان عن فلان.!
ويجعل المعيار لمعرفة القراءة الصحيحة هي: «قراءة الناس». ويجعل غيرها شاذّة لاتجوز قراءته بتاتا أو يضرب عنق قارئها، وليس سوى أنّه خارج عن قراءة الناس ...!
قال هارون بن موسى الأزدي صاحب القراءات (تح ٢٠٠): ذكرت ذلك لأبي عمروبن العلاء (ت ١٥٤)- أي القراءة المعزوّة إلى عائشة- فقال: قد سمعتُ هذا قبل أن تولد- خطابا إلى هارون- ولكنّا لانأخذ به. وفي رواية أُخرى قال أبو عمرو: إنّي أتّهم الواحد الشاذّ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامّة.[٢]
فقد جعل أبو عمرو من «رواية العامّة» مقياسا لمعرفة القراءة الصحيحة الجائزة، وأمّا غيرها فمردود وغير جائز الأخذ إطلاقا.
وقال محمدبن صالح (ت ١٦٨): «سمعت رجلًا يقول لأبي عمرو بن العلاء: كيف تقرأ «لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَ لا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ»؟[٣] فقال: «لا يُعَذِّبُ» بالكسر.[٤] فقال له الرجل:
كيف؟ وقد جاء عن النبيّ صلى الله عليه و آله «لايعذَّب» بالفتح! فقال له أبوعمرو: لو سمعتُ الرجل الذي قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه و آله، ما أخذت عنه، أَوَتدري ماذاك؟ لأنّي أتّهم الواحد الشاذّ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامّة».[٥]
هذه الرواية كسابقتها في جعل «ماجاءت به العامّة» معيارا لمعرفة القراءة الصحيحة عن الشاذّة.
وقال ابن قتيبة (ت ٢٧٦): «كلّ ما كان من القراءات موافقا لمصحفنا، غير خارج من رسم كتابه، جاز لنا أن نقرأ به. وليس لنا ذلك فيما خالفه. لأنّ المتقدّمين من الصحابة
[١] - المرشد الوجيز، ص ١٨٠.
[٢] - المصدر، ص ١٨١.
[٣] - الفجر ٢٥: ٨٩- ٢٦.
[٤] - هي القراءة المشهورة. الفجر ٢٦: ٨٩.
[٥] - مناهل العرفان، ج ١، ص ٤٥٢ نقلًا عن منجد المقرئين لابن الجزري.