التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٨ - حقيقة النسخ
وكذلك إذا كان الحكم محدودا صريحا من أوّل الأمر، فارتفاعه بانتهاء أمده لايكون نسخا. وإنّما النسخ رفع حكم يكون بطبعه ظاهرا في البقاء والاستمرار لولا مجيء الناسخ ببيان جديد.
وهكذا إذا ارتفع تكليف عند مصادفة حرج أو اضطرار أو ضرر شخصيّ أو لمصلحة وقتيّة- على ما يفصّلها الفقهاء- لايكون من النسخ في شيء، إذ جميع ذلك لم يكن من ارتفاع التشريع، وإنّما هو تبدّل الموضوع بطروء أحد هذه العناوين.
كما لوجاز للمضطرّ أن يأكل من الميتة بقدر مايسدّ رمقه، فإنّ مثل هذا الجواز لايكون نسخا للحرمة الأصليّة، التي كان موضوعها الإنسان المختار، وقد تبدّل إلى إنسان مختار.
حقيقة النسخ
النسخ في حقيقته الأوّلية- بمعنى «نشأة رأي جديد»- مستحيلٌ عليه تعالى. إذ هو بذاك المعنى يستدعي تبدّل رأي المشترع، بظهور خطأ أو نقص في تشريعه السابق، عثر عليه متأخّرا فأبدل رأيه إلى تشريع آخر ناسخ للأوّل، ويكون هذا الأخير هو الكامل الصحيح في نظره حاليّا، ويجوز تبدّل رأيه ثانيا وثالثا إلى تشريع ثالث ورابع وهكذا، مادام يحتمل خطؤه في كلّ تشريع.
هذا المعنى إنّما يخصّ أُولئك المشترعين غير المحيطين بالمصالح والمفاسد الكامنة وراء الأُمور، تلك الإحاطة الشاملة. أمّا العالم بالخفايا المحيط بجوامع الواقعيّات في طول الزمان وعرضه على حدّ سواء، فيمتنع عليه خطأ في إصابة الواقع، أو يفوته نقص كان غافلا عنه ثمّ وجده، كلّ ذلك مستحيل بشأنه تعالى.
إذن فالنسخ المنسوب إليه تعالى نسخ في ظاهره، أمّا الواقع فلا نسخ أصلا، وإنّما هو حكم مؤقّت وتشريع محدود من أوّل الأمر، وإنّه تعالى لم يشرّعه حين شرّعه إلّا وهو يعلم أنّ له أمدا ينتهي إليه، وإنّما المصلحة الواقعيّة اقتضت هذا التشريع المؤقّت، وقد