التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩١ - شبهات حول النسخ في القرآن
السياسة أن تشجّع عدوّك بإطلاق أسراه، بينما أهلك وعشريتك وأتباع دينك يسامون الخسف والعذاب عند الأعداء. والمعاملة بالمثل هنا هي أعدل قانون تستطيع أن تستخدمه أو هي القانون الوحيد.
وممّا هو جدير بالإشارة هنا، أنّ الآية الوحيدة التى تعرّضت لأسرى الحرب: «فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِداءً. حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها»،[١] لم تذكر الاسترقاق للأسرى، حتى لايكون هذا تشريعا دائما للبشريّة، وإنّما ذكرت الفداء أو إطلاق السراح بلا مقابل. لأنّ هذا وذاك هما القانونان الدائمان، اللّذان يريد القرآن للبشريّة أن تقصر عليهما معاملتها للأسرى في المستقبل القريب أو البعيد. وإنّما أخذ المسلمون حينذاك بمبدأ الاسترقاق خضوعا لضرورة وقتيّة قاهرة لا فكاك عنها، وليس خضوعا لنصّ في التشريع الإسلامي.
إذن فلم يلجأ الإسلام إلى هذا الطريق، ولم يسترقّ الأسرى لمجرّد اعتبار أنّهم ناقصون في آدميّتهم، وإنّما لجأ إلى المعاملة بالمثل فحسب. فعلّق استرقاقه للأسرى على اتّفاق الدول المتحاربة أو تبادل الأسارى كما تعارف فيما بعد وجرت عليه الدول جميعا.
وهكذا يجد الباحث كثيرا من أعراف جاهليّة جاراها الإسلام، ولكن لغرض إمحائها، لا ليسايرها، كما في مثل الظهار والإيلاء واللعان، وضع لها الإسلام أحكاما شديدة ليكافحها ويقلع جذورها، وكذا مسألة ولاء العتق وولاء ضمان الجريرة والإمتاع بالميراث وغيرها.
شبهات حول النسخ في القرآن
وقبل أن ننتقل إلى استعراض آيات وقع فيها النسخ أو قيل فيها بالنسخ، يجب أن نتعرّض لشبهات أوردها ناكروا النسخ، فزعموا عدم إمكان النسخ في شريعة اللّه، وبالتالي عدم وقوعه في القرآن، وهي شبهات متنوّعة ومختلفة المستوى، غير أنّا نذكر- هنا- منها الأهم:
[١] - محمّد ٤: ٤٧.