التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٠ - من سورة النساء - اثنتان وعشرون آية
وكان الأولى أن تكون آية الإصلاح نسخا لآية حرمة تبديل الوصيّة[١] كما في الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام[٢] ولكن نسخا لإطلاق الآية لالأصلها وليس من النسخ المصطلح.
٣٤ (٣)- «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً».[٣]
قال ابن حزم: لمّا نزلت هذه الآية امتنع المسلمون من التصرّف في أموال اليتامى واعتزلوا عنهم، فدخل الضرر على الأيتام فنزلت: «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ»[٤] فكان ترخيصا في المخالطة. ثمّ نزلت: «وَ مَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ»[٥] فهذه الآية نسخت الأُولى.[٦]
قلت: لانرى تنافيا بين تحريم أكل مال اليتيم ظلما وجواز أكله بالمعروف إزاء مايقوم به من خدمات. فلا مبرّر للقول بالنسخ هنا، بل الآية الأُولى باقية على أحكامها كالآية الثانية.
ولعلّ ابن حزم اشتبهت عليه هذه الآية- هنا- بآية «وَ آتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَ لا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً- أي إثما- كَبِيراً».[٧] فقد روي أنّه لمّا نزلت هذه الآية كره المسلمون مخالطة اليتامى فشقّ ذلك عليهم فشكوا إلى رسولاللّه صلى الله عليه و آله فأنزل اللّه سبحانه: «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ» وهذا هو المروي عن الإمامين الباقر والصادق عليهماالسلام.[٨]
وليس هذا أيضا من النسخ المصطلح، وإنّما جاءت الثانية لبيان جوانب الرخصة من مخالطة اليتامى، ليكون النهي في الأُولى موجّها إلى أُولئك الطامعين في أموال الصغار، أمّا مريد الإصلاح فهو محسن لاملامة عليه ولم يشمله ذلك التحريم أصلا، فهو ترخيص في مقام توهّم الحظر، لاأنّها إجازة بعد تحريم، فلا نسخ بتاتا.
[١] - البقرة ١٨١: ٢.
[٢] - الصافي في تفسير القرآن، ج ١، ص ١٦٣.
[٣] - النساء ١٠: ٤.
[٤] - البقرة ٢٢٠: ٢.
[٥] - النساء ٦: ٤.
[٦] - رسالة الناسخ والمنسوخ لابن حزم، ج ٢، ص ١٦٨- ١٦٩.
[٧] - النساء ٢: ٤.
[٨] - مجمع البيان، ج ٣، ص ٣- ٤.