التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٢ - ٢ - نسخ التلاوة دون الحكم
بالتحقيق ودقّة النظر والاختيار.
كيف يقول: لاحاجة إليها وهي سند حكم تشريعيّ ثابت! ثمّ كيف لايعلم بالآية أحد من كتبة الوحي ولم يكتبوها سوى أنّها كتبت في صحيفة وأُودعت عند عائشة فحسب، وكيف أنّها تركتها تحت سريرها ليأكلها داجن البيت؟! كلّ ذلك لغريب يستبعده العقل السليم.
والذي غرّ هؤلاء: أنّها أحاديث جاءت في الصحاح الستّة وغيرها،[١] ولابدّ لهم- وهم متعبّدون بما جاء فيها- أن يتقبّلوها على علّاتها مهما خالفت أساليب النقد والتحقيق.
هذا ... وقد أكثر جلالالدين السيوطي[٢] من نقل هكذا روايات ساقطة، ومن قبله شيخه بدرالدين الزركشي ولكن مع شيء من الترديد،[٣] وقد أخذها بعض الكاتبين المحدثين أدلّة قاطعة من غير تحقيق. قال- متشدّقا-. وإذا ثبت وقوع هذين النوعين كماترى، ثبت جوازهما، لأنّ الوقوع أعظم دليل على الجواز كما هو مقرّر. وإذن بطل ما ذهب إليه المانعون له من ناحية الشرع كأبي مسلم ومن لفّ لفّه، ويبطل كذلك ما ذهب إليه المانعون له من ناحية العقل، وهم فريق من المعتزلة شذّ عن الجماعة، فزعم أنَّ هذين النوعين الأخيرين مستحيلان عقلا.[٤]
قلت: ما أشرف حكم العقل لولا أنّ أمثال الزرقاني حصروه في أصحاب الاعتزال، وجعلوا من أنفسهم بمعزل عن نور العقل الحكيم.
وأمّا الأُستاذ العريض فقد ذهب هنا مذهبا تحقيقيّا وأسهب في الردّ على هذا القول الفاسد، دفاعا عن كرامة القرآن. ونقل عن جماعة من معاصريه مواكبته على هذا الرأي السديد.[٥]
[١] - راجع: البخاري، ج ٨، ص ٢٠٩- ٢١٠؛ ومسلم، ج ٥، ص ١١٦ و ج ٤، ص ١٦٧؛ والمستدرك على الصحيحين، ج ٤، ص ٣٥٩؛ ومسند أحمد، ج ١، ص ٢٣ وج ٢، ص ٤٣؛ وسنن الترمذي، ج ٤، ص ٣٩ وج ٣، ص ٤٥٦.
[٢] - راجع: الإتقان، ج ٣، ص ٧٢- ٧٥؛ والدرّ المنثور، ج ٤، ص ٣٦٦ تحت الآية ٥٢ من سورة الحج.
[٣] - راجع: البرهان للزركشي، ج ٢، ص ٣٥- ٣٧.
[٤] - راجع: مناهل العرفان، ج ٢، ص ٢١٥- ٢١٦.
[٥] - راجع: فتح المنّان، ص ٢٢٤- ٢٣٠.