التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٣ - القراءات وأثرها في التفسير والأحكام
القراءات وأثرها في التفسير والأحكام
قد نعتبر القراءات ولاسيّما السبع متواترات- كما اعتبرها قوم- فلذلك أثر بيّن في التفسير وفي مجال استنباط الأحكام. أمّا إذا لم نعتبرها جميعا متواترة، سوى قراءة واحدة هي الّتي تسالم عليها عامّة المسلمين وتوارثوها كابرا عن كابر عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله والّتي تحقّقت في قراءة حفص عن عاصم عن أبي عبدالرّحمان السُّلَمي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وكما قال الإمام أبوعبداللّه جعفربن محمّد الصادق عليه السلام: «القرآن واحد نزل من عند الواحد. ولكنّ الاختلاف يجيء من قِبَل الرُّواة»[١] أي من قبل اختلاف اجتهادهم في الحصول على ذلك النص الأصل الواحد ... فعليه فلا موضع للاختلاف، لا في القراءة ولافي مجال الاستنباط والتفسير، فلامدّعى لهذا البحث رأسا.
إنّما الكلام، على الفرض الأوّل وعلى فرض ثبوت الاختلاف ولوجزئيّا، فما أثره في التفسير وفي استنباط الأحكام؟
لاشكّ أنّ الأثر بيّن على ذلك الفرض، لأنّ الاختلاف في التعبير- بعد أن كانت تصاريف الكلمات تحمل معاني متخالفة طبعا- قد يوجب تخالفا في التفسير ويتعقّبه اختلافا في الإنتاج الفقهي للأحكام. وقد تصبح القراءات المختلفة متعارضة المفاد، كتعارض الروايتين الموجب لتهافت فقه الحديث أحيانا، فلابدّ من العلاج كما هناك.
وإليك نماذج من الاختلاف في القراءة ممّا أوجب اختلافا في التفسير وكذا في استنباط الأحكام فيما حسبوا:
١- قوله تعالى: «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ...» في سورتي النساء: ٤٣ والمائدة: ٦.
فقد قرأ حمزة والكسائي وخلف: «لمستم النساء». ووافقهم الأعمش.[٢]
قالوا: فعلى قراءة المشهور يكون المعنى: جامعتم ... وعلى القراءة الأُخرى يحتمل الجماع أو الأعمّ منه ومن مجرّد اللّمس. ومن ذلك اختلف الفقهاء في مسألة نقض الوضوء بمجرد لمس بشرة المرأة.
[١] - الكافي، ج ٢، ص ٦٣٠.
[٢] - النشر، ج ٢، ص ٢٥٠.