التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٢ - ومن سورة البقرة
وأخيرا، والذي يحسم النزاع: أنّ المأثور عن السلف هي القراءة بالألف، وقد كان النبيّ صلى الله عليه و آله وكذا كبار صحابته يقرأون «مالك» بالألف، وأوّل من قرأها «مَلِك» بلاألف هو مروان بن الحكم ومن على شاكلته ذلك العهد. ولم يثبت عن غيره من كبار الصحابة والتابعين الأعلام أنّه قرأها بغير ألف.[١]
ومن سورة البقرة:
قرأ نافع وراوياه (قالون وورش) وابن كثير وأبوعمرو: «وَما يخادعون إلّا أَنْفُسَهُمْ».[٢] واحتجّ أبوعمرو بأنّ الرجل إنّما يخادع نفسه ولايخدعها. أي يحاول ذلك ولايتحقّق منه.
وقرأ عاصم وراوياه (شعبة وحفص) وسائر الكوفيّين وغيرهم: «وَما يَخْدَعُونَ».
وحجّتهم في ذلك أنّ اللّه أخبر عن المنافقين أنّهم يخادعون اللّه والذين آمنوا ...
بقولهم: «آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ» فأثبت لهم مخادعتهم اللّه والمؤمنين. فلو كان عقّبه بأنّهم لايخادعون اللّه والمؤمنين وإنّما يخادعون أنفسهم، كان ذلك تنافيا في الكلام، إذ كان قد نفى في آخر الكلام ما أثبته لهم في أوّله.
أمّا لوقرئ بغير ألف، كان قد أخبر أنّ المخادعة من فعلهم، لكن الخدع إنّما يحيق بهم خاصّة دون غيرهم من المؤمنين.[٣]
توضيح ذلك: أنّ المخادعة هي محاولة الخَدْع، يجوز أن يقع ويجوز أن لايقع. قال تعالى: «وَ إِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ».[٤] أمّا الخدع فهو تعبير عن تحقّقه ووقوع تأثير الخداع.
الأمر الذي ينفيه تعالى بالإضافة إلى نفسه والمؤمنين، وإنّما يحيق المكر السيّء بأهله.
وبذلك يتبيّن وهن احتجاج أبي عمرو، لأنّهم لم يحاولوا خداع أنفسهم، وإنّما وقع
[١] - قد فصّلنا الكلام فيه عند الكلام عن قراءة السلف لسورة الحمد في كتابنا الكبير« التفسير الأثري الجامع». وراجع أيضا: سنن أبي داود، ج ٤، ص ٣٧، رقم ٤٠٠٠ و ٤٠٠١ كتاب الحروف والقراءات. وجامع الترمذي، ج ٥، ص ١٨٥- ١٨٦، رقم ٢٩٢٨، كتاب القراءات عن رسول اللّه. والمصاحف للسجستاني، ص ٩٢- ٩٤. وغيرها من مصادر ذكرناها هناك.
[٢] - البقرة ٩: ٢.
[٣] - حجّة القراءات، ص ٨٧.
[٤] - الأنفال ٦٢: ٨.