التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٦ - ١ - آية النجوى
الناكرون. والآن جاء دور عرض آيات قيل بتحقّق نسخها، بأن رُفع حكمها وبقي نصّها ثابتا في القرآن. ودار الجدل عنيفا بين المثبتين والناكرين، فلننظر لمن الغلب؟
١- آية النجوى
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً، ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».[١]
كان المسلمون يكثرون السؤال عن مسائل غير ذوات شأن، شاغلين أوقاته الكريمة صلى الله عليه و آله على غير طائل. فنزلت الآية بفرض صدقة درهم واحد عند كلّ مسألة، فرضا على الأغنياء دون الفقراء. فأشفق أكثريّة الصحابة عن المسألة، ضنا بالمال.
قال المفسّرون: لم يعمل بهذه الفريضة سوى الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام كان له دينار فباعه بعشرة دراهم وجعل يتصدّق بها واحدة واحدة إزاء كلّ مسألة حتى جاء الناسخ:[٢]
«أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ. فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ».[٣]
وأقرّ سيدنا الأُستاذ (طاب ثراه) نسخ فرض الصدقة في الآية الأُولى، ولأنّه من القسم الناظر الذي ارتضاه السيّد الاستاذ.[٤]
قيل: ولعلّ حكمة هذا التشريع ثمّ نسخه فور تقاعس المسلمين عن مسائلة الرسول، هي بيان وهن عزيمتهم حينذاك وبذلك امتحنهم اللّه ليُفيقوا عن غفوة الخمول.
ومن ثَمَّ أنكر أبومسلم أن تكون الآية منسوخة، بعد أن كانت مؤقّته لغرض الامتحان.
«وَ لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا».[٥] قال: وقد انتهى أمده عند حصول الغاية، فلا يكون هذا نسخا.
[١] - المجادلة ١٢: ٥٨.
[٢] - راجع: جامع البيان، ج ٢٨، ص ١٥؛ وتفسير البرهان، ج ٤، ص ٣٠٩.
[٣] - المجادلة ١٣: ٥٨.
[٤] - راجع: البيان في تفسير القرآن، ص ٣٩٨.
[٥] - آل عمران ١٤١: ٣.