التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٨ - تواتر القرآن
الشيعة الإماميّة- قد أُمرنا بأن نقرأ كما يقرأ الناس، أي نوع المسلمين وعامّتهم».[١] وكلام شيخنا الإمام البلاغي هو الحكم الفصل في هذا المضمار، وسوف نبني عليه اختيارنا في هذا المجال.
ويدلّك- أيضا- على تواتر النصّ الموجود، من غير أن يؤثّر عليه شيء من اختلاف القراءات: تلك المخالفات في رسم الخطّ وربّما كتبت وفق قراءة العامّة وثبتت رغم تقلّبات الدهور ومرّ العصور، فلم تغيّرها قراءة قارئ أو ريشة قلم كاتب.
من ذلك قوله تعالى: «لَمْ يَتَسَنَّهْ»[٢] الهاء زائدة للوقف. كتبت وقرئت هكذا منذ العهد الأوّل وثبتت على مرّ الدهور، قال عبداللّه بن هاني البريزي- مولى عثمان-: كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أُبيّ بن كعب فيها: «لم يتسن».
وفيها: «لاتبديل للخلق اللّه». وفيها: «فأمهل الكافرين». فدعا بدواة فمحى اللّامين وكتب «لِخَلْقِ اللَّهِ». ومحى «فأمهل» وكتب «فَمَهِّلِ». وكتب «لَمْ يَتَسَنَّهْ» فألحق فيها الهاء.[٣]
ولولا أنّه السماع من رسولاللّه صلى الله عليه و آله لم يكتبها أُبيّ بالهاء، كما أنّ اختلاف القرّاء فيما بعد، وتطوّر الكتابة والخطّ، كليهما لم يؤثّر على تغيير الكلمة عمّا كتبها الأوائل وقرأها السلف ومن رائهم عامّة المسلمين عبر الأجيال.
وكذلك «بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ»[٤] و «وَ ما أَنْسانِيهُ»[٥] بضمّ هاء الضمير في هذين الموضعين فحسب دون ماسواهما من القرآن[٦] لالعلّة مفهومة لنا، ولولا أنّه المأثور خلفا عن سلف لم يكن مايدعو إلى التزام المسلمين به طول التأريخ.
ومثله: «سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ»[٧] بإسقاط الواو في جميع المصاحف قديما وحديثا. وقوله:
[١] - آلاء الرحمان، ج ١، ص ٣٠، الفصل الثالث من مقدّمة التفسير.
[٢] - البقرة ٢٥٩: ٢.
[٣] - الإتقان، ج ٢، ص ٢٧١؛ وراجع: الجزء الأوّل« منجزات مشروع توحيد المصاحف».
[٤] - الفتح ١٠: ٤٨.
[٥] - الكهف ٦٣: ١٨.
[٦] - راجع: الكشف، ج ٢، ص ٦٦.
[٧] - العلق ١٨: ٩٦.