التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٨ - ملاك صحة القراءة
نعم، ليس الاختلاف في مثل قراءة «كُفُّوا» أو «هزء» أو «هَيْتَ لَكَ»[١] أو «أُفٍّ»[٢] أو في مثل الإمالة والإشباع والتخفيف والتحقيق والإشمام والروم وأمثال ذلك، من هذا الباب، إذ أنّها اختلافات في اللهجات وفي الأداء والتعبير، وقد أجاز النبيّ صلى الله عليه و آله للعرب أن تقرأ القرآن بلهجاتها المختلفة، حسبما فسّرنا حديث «أُنزل القرآن على سبعة أحرف» بذلك، كماورد قوله صلى الله عليه و آله: «فاقرأوا كيف شئتم».[٣]
وعليه فبأيّها قرئت كانت صحيحة، اللّهمّ إلّا إذا خرجت عن متعارف العامّة إلى حدّ يستبشع منه، كما في أكثر إدغامات أبي عمرو والمدّ الزائد والتحقيق البالغ والنبر ونحو ذلك. فإنّها غير جائزة ولاتصحّ القراءة بها في الصلاة إطلاقا.
٣- (في موضع الكلمة). فالقراءة بالتقديم والتأخير باطلة، لأنّها خارجة عن الرسم المعهود بين المسلمين، كما في قوله تعالى: «فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ» قرأ حمزة والكسائي بتقديم المفعول على الفاعل، والباقون بتقديم الفاعل على المفعول، والثانية هي المشهورة[٤] وكقراءة أبي بكر: «وَجَاءَتْ سَكْرَة الحقِّ بِالموتِ» والقراءة المأثورة هي:
«وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ».[٥]
ولاشكّ أنّ الترجيح في مثل هذا الاختلاف- أيضا- مع المشهورة، والأُخرى باطلة، لمخالفتها الرسم والمتعاهد بين عامّة المسلمين جميعا.
وأمّا موافقة الأفصح في اللغة والأفشى في العربيّة فلأنّ القرآن نزل على درجة أعلى من البلاغة، ويستحيل أن يستعمل كلمة يمجّها الذوق العربي السليم، أو يخالف قياسا تسلّمته العرب الفصحى عادة طبيعيّة متعارفة. وإلّا لكانت العرب تستغرب من القرآن في بدء أمره أو تستنكر منه ما يبطل به التحدّي الذي يصرخ به القرآن علانية وعلى رؤوس
[١] - قرئ بكسر الهاء وفتح التاء وبفتح الهاء وضمّ التاء. وبفتحهما. وبالهمز بدل الياء مع ضمّ التاء. وبفتح الهاء وكسر التاء. وبالجمع بين الياء والهاء. مجمع البيان، ج ٥، ص ٢٢٢.
[٢] - قرئ بضم الهمز وفتح الفاء المشدّدة من غير تنوين. وبكسر الفاء منوّنة. وبالكسر من غير تنوين. وبضمّ الفاء من غير تنوين. وبتخفيف الفاء أيضا. مجمع البيان، ج ٦، ص ٤٠٨.
[٣] - راجع: تأويل مشكل القرآن، ص ٣٤.
[٤] - التوبة ١١١: ٩. راجع: تفسير القرطبي، ج ٨، ص ٢٦٨.
[٥] - ق ١٩: ٥٠. راجع: المصدر، ج ١٧، ص ١٢.