التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٢ - من سورة طه - ثلاث آيات
قيل: كان النبيّ صلى الله عليه و آله يملي بالقرآن على أصحابه فور نزوله قبل الانتهاء منه، حرصا على التبليغ وخوفا من النسيان. فجاءت الآية تؤنّبه على ذلك، وهكذا قوله: «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ».[١]
قالوا: غير أنّ هذه الآيات لم تؤمّن عليه الحفظ، فلم يزل صلى الله عليه و آله يخشى النسيان، فكان يتعب نفسه الشريفة في حفظ ما ينزل عليه من القرآن. خوف أن يصعد جبرائيل وقد نسي شيئا ممّا نزل به.
كذا روي عن السدّي[٢] حتى نزلت: «سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى»[٣] فَزال قلقه صلى الله عليه و آله. قال ابن حزم: فكانت هذه الأخيرة ناسخة للأوّلتين، لكن نسخا معنويّا، أي أزالت سبب خوفه صلى الله عليه و آله ممّا لم تزله الآيتان بصراحة.[٤]
قلت: سورة الأعلى من أوّليات ما نزل بمكة، ولعلّها السورة الثامنة في ترتيب نزولها.
وأمّا سورة طه فنزلت بعد الأربعين.[٥] وهكذا سورة القيامة كانت الواحدة والثلاثين. فكيف تكون المتقدّمة ناسخة للمتأخّرة؟!
ثمّ في تعقيب آية طه جاء قوله: «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً»[٦] ممّا تؤمّن عليه الحفظ يقينا.
وهكذا جاء التأمين في سورة القيامة.
والظاهر: أنّ الآيات الثلاث تعني شيئا واحدا. وجاءت كلّ واحدة مؤكّدة للأُخرى مؤمّنة على النبيّ صلى الله عليه و آله ماكان يخشاه الأمر الذي يشي بمبلغ اهتمام النبيّ صلى الله عليه و آله بهذا القرآن وحرصه على هذا الدين. وأخيرا فقد ارتاح صلى الله عليه و آله عندما نزل «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ».[٧]
١٢٦ (٢)- «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ».[٨]
[١] - القيامة ١٦: ٧٥- ١٩.
[٢] - الدرّ المنثور، ج ٤، ص ٣٠٩.
[٣] - الأعلى ٦: ٨٧.
[٤] - رسالة الناسخ والمنسوخ لابن حزم، ج ٢، ص ١٨٤.
[٥] - وهي الخامسة والأربعون حسب ترتيب نزولها. راجع: الجزء الأوّل، قائمة« ترتيب النزول».
[٦] - طه ١١٤: ٢٠.
[٧] - الحجر ٩: ١٥.
[٨] - طه ١٣٠: ٢٠.