التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٩ - مناقشة هذه الأركان
مورد القبول، لأنّها مأثورة عن القرّاء بالإسناد الصحيح ... وقد تقدّمت الأمثلة.[١]
وهكذا يقول القسطلاني: «والمراد باستقامة وجهه في العربيّة سواء كان راجحا أم مرجوحا، كقراءة حمزة: «والأرحام» بالجرّ. وقراءة أبي جعفر: «ليُجزى قوما» بالبناء للمفعول ونصب «قوما». والفصل بين المضافين في قوله: «وكذلك زين لكثير من المشركين ... الآية».[٢]
انظر إلى هذا التهافت في الاختيار، تراهم لايتجاوزون حدود تقليد مفروض عليهم ويزعمونه تحقيقا في البحث وحرّيّة في الاختيار.
إنّ أكثر القراءات التي جاءت في كلام ابن الجزري وغيره هي من الشواذّ المخالفة لقواعد اللغة رأسا، ولايجيز الفقهاء قراءتها في صلاة ولافي غيرها، وقد تقدّم إنكار الإمام أحمد بن حنبل كثيرا من قراءات حمزة، وكذلك غيره، ومع ذلك فإنّ بعضهم يقف من هذه القراءات موقف المتحمّس الحادّ من غير مبرّر معقول.
يقول ابن السبكي: القراءات السبع التي اقتصر عليها الشاطبي، والثلاثة التي هي قراءة أبي جعفر، وقراءة يعقوب، وقراءة خلف، متواترة، معلوم من الدين بالضرورة وأنّه منزل على رسولاللّه صلى الله عليه و آله لايكابر في شيء من ذلك إلّا جاهل. وليس تواتر شيء منها مقصورا على من قرأ بالروايات، بل هو متواتر عند كلّ مسلم يشهد الشهادتين. وحظّ كلّ مسلم وحقّه أن يدين اللّه تعالى ويجزم يقينه بأنّ ماذكرنا متواتر معلوم باليقين لاتطرّق الظنون ولا الارتياب إلى شيء منه.
ويتعقّبه القسطلاني: فقد علم أنّ السبع متواترة اتفاقا. وكذا الثلاثة. وأنّ الأربعة بعدها شاذّة اتفاقا.[٣]
[١] - في« تحقيق الأركان الثلاثة».
[٢] - لطائف الإشارات للقسطلاني، ج ١، ص ٦٧.
[٣] - المصدر، ص ٧٦- ٧٧. ويشبه ذلك- أيضا- اعتذار ابن مطرف في كتاب« القرطين»، ج ٢، ص ١٥- الذي اختصره عنتأويل مشكل القرآن- حيث يطوي الكلام على حمزة قائلا:« وباقي الباب لم أكتبه لما فيه من الطعن على حمزة وكان أورع أهل زمانه».
ويعلّق السيد أحمد صقر على هذا الاعتذار الخاطئ:« هكذا قال ابن مطرف، وهو قول يدلّ على عصبيّة مضلّة، وغفلة عن قيمة الحقائق العلميّة، وأيّ فائدة أعظم من أن يبيّن ابن قتيبة في باقي الباب، أوهام القرّاء التي وهموا فيها، وسجّلها عليهم العلماء الأثبات، وبيّنوا خطأهم فيها، وهل طعن ابن قتيبة في حمزة بغير الحقّ». راجع: هامش تأويل مشكل القرآن، ص ٥٩.