التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٤ - دفاع مثلوم
ويعذر القوم حيث حسبوا من أنفسهم تجاه أمر واقع، ومن ثمّ زعموا من كلّ قراءة أنّهاسنّة متّبعة، وقد فاتهم أن لامستند لهذا التعبّد الأعمى. ولاتثبت قرآنيّة القرآن بقراءة رُويت عن فلان أو فلان، وقد أوضحنا أن لاسند لآحاد القراءات متصلا إلى النبيّ صلى الله عليه و آله ولامساس لها بمسألة «تواتر القرآن» إطلاقا.
إذن فتحكيم القواعد على القراءات، ليس تحكيما لها على القرآن، بل تحكيما للتوصّل إلى واقع القرآن. فكلّ قراءة وافقت الأفصح في اللغة والأفشى في العربيّة، وتوفّرت فيها سائر الشرائط، نعتبرها صحيحة ونتسلّمها قرآنا، بكاشف هذا التوافق.
والقواعد- التي نعتبرها مقاييس لمعرفة القرآن- هي المعترف بها لدى الجميع، والتي تسالمت عليها علماء اللغة والأدب، المستقاة من كلام العرب الأصيل، الأمر الذي يوجد عند نحاة البصرة أكثر وأدقّ ممّا عند الكوفيّين، ومن ثمّ فإنّ وقفة مثل «الداني» المغربيّ في وجه مثل «سيبويه» غريبة جدا.
ونتساءل القوم: بماذا أنكر الإمام أحمد على حمزة قراءاته؟ لولا أنّه وجدها خارجة عن أساليب التعبير العربي الأصيل في مدّاته وتوالي سَكَناته وما إلى ذلك!
وهل نتسلّم قراءة من قرأ: «قُل لَوْ شاءَ اللّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَأتكم بِهِ»[١] بالهمز؟
لمجرد أنّها قراءة بعض المتقدّمين[٢] في حين أنّها تقلب معنى الآية، لأنّها من «درى» بمعنى علم لامن «درأ» بمعنى دفع.
وقراءته- أيضا-: «وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطون» وهي غلط محض.[٣]
وقراءة ابن محيصن: «فَلا تَشْمِتْ بِيَ الأَعْداءَ»[٤] بفتح تاء المضارعة، ونصب «الأعداء». وإنّما هو من: أشمت اللّه العدوّ، ولايقال: شمت اللّه العدوّ.[٥]
وقراءة ابن عامر: «كُنْ فَيَكُونَ» بالنصب في البقرة. وفي آلعمران. وفي النحل. وفي
[١] - يونس ١٦: ١٠.
[٢] - هي قراءة الحسن. راجع: البحرالمحيط، ج ٥، ص ١٣٣.
[٣] - انظر: تفسير القرطبي، ج ١٣، ص ١٤٢.
[٤] - الأعراف ١٥٠: ٧.
[٥] - تأويل مشكل القرآن، ص ٦١. وانظر: البحرالمحيط، ج ٤، ص ٣٩٦.