التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٥ - تواتر القرآن
تواتر القرآن
ممّا يبعث على اعتزاز جانب هذه الأُمّة، هو تحفّظهم على كتاب اللّه نصّا واحدا- كما أُنزل على النبيّ محمد صلى الله عليه و آله- طول التأريخ.
المسلمون- على اختلاف نزعاتهم وتباين آرائهم ومذاهبهم- اتفقوا كلمة واحدة، منذ الصدر الأوّل- عهد الصحابة الأوّلين- وهكذا عبر الأجيال، أُمّةً بعد أُمّةٍ، حتى العصر الحاضر، وسيبقى مع الدهر، على نصّ القرآن الأصيل، في جميع حروفه وكلماته، ونظمه وترتيبه، وقراءته. تلقّوه من الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله وتوارثوه يدا بيد، في حيطة كاملة وحذر فائق.
ومانقرؤه اليوم هوالذي كان يقرؤه المسلمون في العهد الأوّل. وما نجده اليوم من النّص المثبت بين الدّفتين، هو الذي أثبته السلف الصالح كما أخذوه من فيّ رسولاللّه صلى الله عليه و آله بلاتحوير ولا تحريف قطّ!
حدّث محمدبن سيرين (ت ١١٠) عن عبيدة السلماني (ت ٧٣) قال: «القراءة التي عرضت على النبي صلى الله عليه و آله في العام الذي قبض فيه، هي القراءة التي يقرؤها الناس اليوم».[١]
وقال خلّاد بن يزيد الباهلي (ت ٢٢٠): قلت ليحيى بن عبداللّه بن أبي مليكة (ت ١٧٣): إنَّ نافعا حدّثني عن أبيك، عن عائشة، أنّها كانت تقرأ: «إذ تَلقونَهُ» بكسر اللام وضم القاف[٢] وتقول: إنّها من «ولق الكذب»! فقال يحيى: مايضرّك أن لاتكون سمعته عن عائشة، وما يسرّني أنّي قرأتها هكذا، ولي كذا وكذا!. قلت: ولِمَ؟ وأنت تزعم أنّها قد قرأت؟
قال: لأنّه غير قراءة الناس. ونحن لووجدنا رجلًا يقرأ بما ليس بين اللوحين ما كان بيننا و بينه إلّا التوبة أو نضرب عنقه. نجيء به نحن عن الأُمَّة عن النبيّ صلى الله عليه و آله عن جبرائيل عن اللّه عزّوجلّ، وتقولون أنتم: حدّثنا فلان الأعرج عن فلان الأعمى! أنّ ابن مسعود يقرأ
[١] - الإتقان، ج ١، ص ١٤٢.
[٢] - والقراءة المشهورة:« تَلَقَّوْنَهُ» بفتح اللام والقاف المشدّدة. النور ١٥: ٢٤.