التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٨ - ٢ - آية عدد المقاتلين
المقاتلين.
والناسخ هو قوله تعالى: «الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ».[١]
وهكذا روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ الواحد بالاثنين نسخ الواحد بالعشرة.[٢] ولابدّ أنّ النسخ- على فرضه- من القسم الناظر. كما قال سيّدنا الاستاذ رحمه الله لكنّه أنكر أصل النسخ هنا بحجّة عدم فصل زَمَني بين الآيتين ولظاهر السياق.[٣]
لكنّه رحمه الله لم يبيّن وجه دلالة السياق، مع أنّه على العكس أدلّ، نظرا للتعبير بقوله:
«الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً»، ممّا يدلّ على تأخّر نزول الآية الثانية بفترة ربما غير قصيرة مرّت خلالها تجربة قاسية ظهر منها ضعف المسلمين آنذاك عن مقابلة أضعافهم بعشرات وتثاقلهم عن القيام بمثل ذاك التكليف الشاقّ في نظرهم لفتور عزمهم وضعف مقدرتهم الإيمانية. كما لاوجه لحمل الآية الأُولى على الاستحباب![٤]
نعم هاتان الآيتان، كالآيتين السابقتين، من الأحداث والتجارب الحادّة التي مرّت على حياة المسلمين آنذاك، ولتكون نموذجا تربويّا للُامّة مع الأبد: إن كانوا على أهبّة واستعداد وإخلاص صادق، كان أحدهم يقابل العشرة، وإلّا فباثنين. ذلك لأنّ المؤمن يجاهد على وضح الحق وفي سبيل العقيدة والإيمان، وأمّا الكافر فهو في عَمَهٍ باهت «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ».[٥]
فهنا أيضا عرض مسرحيّة تناوب عليها مختلف حالة المسلمين من ضعف إلى قوّة ومن قوّة إلى ضعف، على مدى الحياة.
فإذا قووا شملهم التكليف الأرقى، وإذا ضعفوا جاءهم التخفيف، أيّ وقت كان. وأنّ التي حكتها الآية، كانت التجربة الأُولى وستبقى مستمرّة أبدا، فلا ناسخ ولامنسوخ.
[١] - الأنفال ٦٦: ٨.
[٢] - تفسير الصافي، ج ١، ص ٦٧٦.
[٣] - راجع: البيان في تفسير القرآن، ص ٣٧٥- ٣٧٦.
[٤] - المصدر.
[٥] - الحشر ١٣: ٥٩.