التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٨ - القرآن والقراءات حقيقتان متغائرتان
طريق ابن سيرين عن عبيدة السلماني، قال: «القراءة التي عرضت على النبيّ صلى الله عليه و آله في العام الذي قبض فيه، هي القراءة التي يقرؤها الناس اليوم».[١]
وإلى ذلك- أيضا- أشار الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة».[٢]
ولك أن تسأل: إذا اختلفت القراءة في نصّ واحد، فمن أين يعرف النّص الأصل؟ بعد احتمال الخطّ لكلتا القراءتين.
قلنا: سنشرح- في فصل قادم- شروط اختيار القراءة الصحيحة، الموافقة للنّص الأصل، وهي: القراءة المشهورة المعروفة بين الناس، وتلقّتها الأُمّة بالقبول في جميع أدوارها. ومن ثمّ فإنّ القراءات التي كانت تخرج عن محدودة العرف العام، كانت تقع موضع إنكارهم، وتقدّمت أمثلة على ذلك.[٣]
وسؤال آخر: هل لايقدح اختلاف مصاحف الأمصار الأوّلية- على ما شرحنا في الجزء الأوّل- في تواتر النّص الأصل الواحد؟
قلت: كلّا، فإنّ الثبت الأصل- أيضا- من بين تلكم المصاحف، هو ما أجمعت عليه الأُمّة ووقع موضع اتفاقهم، وشاع وذاع عبر التأريخ وكان ثبت غيره في سائر المصاحف مهجورا، ومن ثمّ فهو شاذّ منبوذ.
مثلًا: اختلف مصحف الشام مع مصحف الكوفة، فكان ثبت الشام: «وَأَوْصى بِها إبْراهيمُ»[٤] وكان ثبت الكوفة: «وَوَصَّى». لكن الأُمَّة اعترفت بالثاني ونبذت الأوّل. وهو دليل قاطع على أنّ الصحيح هو ذاك دون الآخر. ومن ثمّ لاتجوز القراءة وفق المأثور عن مصحف الشام في خصوص هذه الآية.
[١] - الإتقان، ج ١، ص ١٤٢.
[٢] - الكافي، ج ٢، ص ٦٣٠، رقم ١٣.
[٣] - تقدّم في« إنكارات على القرّاء».
[٤] - البقرة ١٣٢: ٢.