التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧ - ١ - تصريحات أئمة الفن
ترجيح البعض على البعض مستوجبين للتفسيق إن لم يلزمهم التكفير.
لكنّا نرى أنّ كلّ واحد من هؤلاء القرّاء يختصّ بنوع معيّن من القراءة، ويحمل الناس عليها ويمنعهم عن غيرها، فوجب أن يلزم في حقّهم ماذكرنا.
وأمّا إن قلنا: أنّ هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر، بل بطريق الآحاد، فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم والقطع واليقين، وذلك باطل بالإجماع. ولقائل أن يجيب عنه فيقول: بعضها متواتر، ولاخلاف بين الأُمّة فيه، وتجويز القراءة بكلّ واحدة منها، وبعضها من باب الآحاد، وكون بعض القراءات من باب الآحاد لايقتضي خروج القرآن بكلّيّته عن كونه قطعيّا واللّه أعلم».[١]
قلت: قد اشتبه عليه تواتر القرآن بتواتر القراءات، ومن ثمّ وقع في المأزق الأخير، وسنبيّن أنّ القرآن شيء والقراءات شيء آخر، فلا موقع للشقّ الأخير من الإشكال.
وقال الحجّة البلاغي: «وانّ القراءات السبع- فضلًا عن العشر- إنّما هي في صورة بعض الكلمات، لابزيادة كلمة أو نقصها، ومع ذلك ماهي إلّا روايات آحاد عن آحاد، لاتوجب اطمئنانا ولا وثوقا، فضلا عن وهنها بالتعارض، ومخالفتها للرسم المتداول، المتواتر بين عامّة المسلمين في السنين المتطاولة. وأنّ كلّا من القرّاء هو واحد- لم تثبت عدالته ولاوثاقته- يروي عن آحاد، ويروي عنه آحاد وكثيرا ما يختلفون في الرواية عنه، فكم اختلف حفص وشعبة في الرواية عن عاصم. وكذا قالون وورش في الرواية عن نافع ... وهكذا. مع أنّ أسانيد هذه القراءات الآحادية لايتّصف واحد منها بالصحّة في مصطلح أهل السنّة في الإسناد، فضلا عن الإماميّة، كما لايخفى على من جاس خلال الديار. فيا للعجب ممّن يصف هذه القراءات السبع بأنّها متواترة»![٢]
وقال سيّدنا الأُستاذ الإمام الخوئي قدس سره: «المعروف عند الشيعة الإماميّة أنّها غير متواترة بل القراءات بين ما هو اجتهاد من القارئ، وبين ما هو منقول بخبر الواحد، وقد
[١] - التفسير الكبير، ج ١، ص ٦٣.
[٢] - آلاء الرحمان، ج ١، ص ٢٩- ٣٠، الفصل الثالث من المقدّمات.