التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٥ - دفاع مثلوم
مريم. وفي يس. وفي غافر.[١] ومن الغريب أنّ مثل الكسائي تابعه في النحل ويس.[٢]
وقد أجمع المحقّقون على أنّ النصب هنا ضعيف، كما اتفق باقي القرّاء على الرفع، لأنّ «كن» ليس أمرا على حقيقته لأنّه ليس خطابا لموجود، وإنّما معناه: فإنّما يكونّه فيكون.[٣]
وهكذا قراءات ضعيفة- تقدّم بعضها- من السبعة وغيرهم تشي بضعف مقدرة قرّائها، وأنكرها المحقّقون من العلماء النقّاد، سواء في مجال الفقاهة أم في حقل الأدب الرفيع، فكيف نوافق على قرآنيّتها ونضرب بجميع الأُصول والقواعد عرض الجدار؟! فالذي تقتضيه قواعد التمحيص هو النظر في منشأ القراءة، فإن كانت عن مستند وثيق وعن دراية صحيحة الأُصول، تُقبل ويُعترف بقرآنيّتها أيضا، وكلّ قراءة خالفت أُصول التمحيص الصحيح فهي ضعيفة شاذّة يجب نبذها رأسا. سواء أكانت عن السبعة أم عن غيرهم، وتقدّم كلام أئمّة التحقيق في ذلك.
وأمّا عدم المعارضة بالأقوى حجّة، فلأنّ القراءة إنّما تكون حجّة إذا لم يعارضها حجّة أقوى، حسب قانون «التعادل والترجيح» في باب الأُصول.
فمثل «أَرْجُلَكُمْ» قراءةً بالخفض، وإن قرأ بها بعض كبار القرّاء، لكنّها حيث كانت معارضة للدليل الأقوى، فهي مرفوضة، كما رفضها جمهور المسلمين. وكانت علامة الثبت الأُولى، والتي كان عليها ثبت المصاحف، هي علامة النصب.
أمّا الدليل الأقوى الذي يرجّح النصب على الخفص، فهو: اعتبار الاستيعاب- طولا- في مسح الأرجل، نظرا لذكر الحدّ- بدءً ومنتهىً- في الآية الكريمة (من رؤوس أصابع الأقدام إلى الكعبين).
ولتوضيح هذا الجانب (من المسألة الفقهية المستنبطة من الآية الكريمة) لابدّ من تمهيد مقدمة، هي:
[١] - البقرة ١١٧: ٢. آل عمران ٤٧: ٣. النحل ٤٠: ١٦. مريم ٣٥: ١٩. يس ٨٢: ٣٦. غافر ٦٨: ٤٠.
[٢] - انظر: التيسير، ص ٧٦.
[٣] - راجع: البيان في غريب إعراب القرآن لابن الأنباري، ج ١، ص ١١٩- ١٢٠؛ والكشف، ج ١، ص ٢٦١.