التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٦ - النسخ المتدرج
كان المسلمون في حالة ضعف. فإذا ماعاد الإسلام غريبا- لاسمح اللّه- كمابدئ غريبا، فإنّ ذلك الحكم يعود لامحالة. فليكن على ذكرٍ من أرباب الفنّ! واللّه العالم.
النسخ المتدرّج[١]
وهو نوع آخر من النسخ، لم يُنسخ الحكم فيه صريحا وفي بداية الأمر، وإنّما عُرض للنسخ بتمهيد أسبابه المؤاتية نسخا تدريجيّا. وذلك فيما إذا دعت المصلحة الإقرار على شريعة كانت سائدة على الحياة العامّة، بحيث لايمكن قلع جذورها بسهولة، إلّا بتمهيد مقدّمات هي تُوهن من شأنها وتُزعزع من شأوتها، لتنهار بنفسها نهائيّا وفي نهاية المطاف، نظير التدّرج في التشريع في مسألة محاربة الخمر وغيرها.
وهذا في مثل تشريع جواز ضرب النساء عند النشوز: «وَ اللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ ...».[٢]
هذا إقرار لتشريع جاهليّ سابق، كان الرجال يتحكّمون في أمر النساء ومن غير مبالاة. فجاء الإسلام ليحدّ من تلك السنّة الجاهلة، بتضعيفها أوّلًا شيئا فشيئا، ثُمَّ هدمها رأسا وبقلع جذورها من الأساس.
كان أبناء الجاهلية يرون في ضرب النساء وإيلامهنّ مندوحة تأديبهنّ. وكأنّ ذلك من حقّ القوامة عليهنّ فيما حسبوا. وهي فكرة قديمة كانت سائدة ومتمكّنة في الأعماق، وحتى الآن في أوساط قَبَليّة، بل وفي كثير من أهل المدن الراقية، يرى الرجال من حقّهم الشرعي أن يؤدّبوا نساءهم ولو بالضرب والإيلام، ولاحرج.!
فكان في قلع جذور مثل تلك العادة الراسخة صعوبة وبحاجة إلى مرونة في العمل المستمرّ. الأمر الذي قام به الإسلام ضمن مكافحته لكثير من عادات جاهليّة كانت ساطية.
[١] - تنبّهنا له أخيرا ضمن تحقيقنا عن شؤون المرأة في الإسلام.
[٢] - النساء ٣٤: ٤.