التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٦ - تحمسات عاطفية فارغة
ولعلّه تابع القاضي البلقيني، في قوله: «فالمتواتر: القراءات السبع». الذي شطب عليه تلميذه جلالالدين السيوطي، وقال: وهذا الكلام فيه نظر، واختار مذهب ابن الجزري بصحّة التقسيم المذكور[١] وقد تقدّم كلامه.
أمّا مذهب ابن الجزري في كتابه «منجد المقرئين» الذي أعجب الأُستاذَ الزرقاني، فقد عدل عنه في سائر كتبه التحقيقية، على عكس الأُستاذ، فكان مذهبه في المنجد مسيطرا عليه جانب العاطفيّة أكثر من جانب تحقيق الواقع، لكن الحقيقة جذبته أخيرا إلى اختيار ما هو الحقّ، ويقتضيه التحقيق النزيه، قال: «ولقد كنت- قبل-[٢] أجنح إلى هذا القول (أي القول بتواتر السبع) ثمّ ظهر فساده وموافقة أئمّة السلف والخلف»[٣] وقد تقدّم نقل كلامه بطوله.
بينما الإمام ابن الجزري يعدل عن رأيه الأوّل، عدولًا عن تحمّس عاطفيّ إلى لمس الواقعيّة، فإنَّ مقلّده الأُستاذ، يعدل عن تحقيق هداه إليه تقليده الأوّل، إلى عصبيّة مضلّة زعمها اتساع أُفق فكريّ، في حين أنّه تقليد أعمى محض!
هذا وقد عُرف ابن الجزري بإبدال شرط التواتر إلى شرط صحّة السند فحسب، قال في أرجوزته:
|
فكلُّ ما وافق وجهَ نحو |
وكان للرسم احتمالًا يحوي |
|
|
وصحّ إسنادا هو القرآنُ |
فهذه الثلاثة الأركان |
|
|
وحيثما يختلّ ركنٌ أثبِتْ |
شذوذه لو أنّه في السبعة[٤] |
|
واشتهر بهذا المذهب سلفا وخلفا، كما عرفت عن السيوطي وغيره، وحتّى في كتب القراءات المتأخّرة.[٥]
[١] - راجع: الإتقان، ج ١، ص ٢١٠.
[٢] - إشارة إلى ماسجّله في المنجد.
[٣] - النشر، ج ١، ص ١٣.
[٤] - شرح طيّبة النشر لأحمد بن محمد بن الجزري، ص ٥- ٦.
[٥] - راجع: المهذّب في القراءات العشر لمحمّد سالم محيسن، ج ١، ص ٢٧.