التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٦ - القرآن والقراءات حقيقتان متغائرتان
وستأتي- في فصل اختيار القراءة الصحيحة- شروط التعرّف إلى القرآن المتواتر، المتسالم لدى عامّة المسلمين.
بقي هنا اعتراض: أنّ القراءات إذا لم تكن متواترة جميعا فإنّ القرآن يصبح في بعض آيه- وهو الذي اختلفت القراءة فيه- غير متواتر، كما في «مالك» و «ملك» وقد قرئ بالوجهين، فأيّهما النصّ؟
وقد استدلّ ابن الحاجب- في مختصر أُصوله- بذلك لإثبات تواتر القراءات السبع.[١] قال: وإلّا فيلزم أن يكون بعض القرآن غير متواتر. إذ لو اختلف القرّاء في كلمة، كما في مثل «غيابة» أو «غيابات»، ومثل «آية» أو «آيات»، و «ملك» أو «مالك» ونحو ذلك ممّا قرئ بوجهين أو بأكثر، فإن التزمنا بتواتر القراءات جميعا فهو، وإلّا فأيّ القراءتين تكون قرآنا لتكون الأُخرى غير قرآن؟ وإذا تردّدنا في ذلك فإنّ معناه الترديد في النصّ الأصلي، وهذا لايلتئم والقول بتواتر النصّ القرآني.
والجواب: أنّ النصّ الأصلي هو ما ثبت في المصحف الكريم، والذي أجمعت الأُمّة عليه نصّا واحدا. وإنّما جاء الاختلاف في كيفيّة قراءته وفي أُسلوب تعبيره، الأمر الذي لايتنافى وثبوت تواتر الأصل، كما في كثير من أشعار الشعراء القدامى، حيث أصل البيت أو القصيدة ثابتة له بالتواتر وإن كان الرواة مختلفين في بعض الكلمات أو الحركات.
ويزيدنا وضوحا ما قدّمناه سابقا: أنّ اختلاف القرّاء كان عن اجتهاد منهم في تحقيق الكلمة تعبيرا، في حين وحدة النصّ الثابت في المصحف، وذلك لأنّ اختلافهم جاء من قبل عراء المصحف الأوّل عن أيّ علامة مائزة، وعن الأشكال والنقط، بل وعن الألفات، وربّما زيادات خارجة عن أُسلوب الخطّ الصحيح، لمكان جهل العرب الأوائل بأُصول الكتابة المتقنة.
[١] - المصدر، ص ١٧٤.