التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٥ - ١ - نسخ الحكم والتلاوة معا
صنوف النسخ في القرآن
النسخ في القرآن يتصوّر على أنواع، تعرّض لها القدامى والمُحدَثون، وقد مرّ عليها أكثريّة الباحثين مرور الكرام، في حين أنّ منها ما هو مرفوض على مسرح التحقيق، بعيد عن كرامة القرآن، كتاب اللّه العزيز الحميد، كلّ البعد، ونحن نجري على منوالهم في ذات التقسيم، مع تعقيب كلّ نوع بما تقتضيه أداة النقد والتمحيص النزيه بحوله تعالى:
١- نسخ الحكم والتلاوة معا
بأن تسقط من القرآن آية كانت ذات حكم تشريعيّ، وكان المسلمون يتداولونها ويقرؤونها ويتعاطون حكمها، ثمّ نسخت وبطل حكمها ومحيت من صفحة الوجود رأسا.
هذا النوع من النسخ مرفوض عندنا، ويتحاشاه الكتاب العزيز، الذي «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ».[١]
وقد حاول بعض القدامى من أهل الحديث،[٢] وهكذا لفيف من المُحدَثين غيرالمحقّقين[٣] إثبات هذا النوع من النسخ في القرآن، بحجّة مجيئه في حديث صحيح الإسناد إلى عائشة، قالت: كان فيما أُنزل من القرآن: «عشر رضعات معلومات يحرّمن» ثمّ نُسخن بخمس معلومات. قالت: وتوفّي رسولاللّه صلى الله عليه و آله وهنّ فيما يُقرأ من القرآن.[٤]
قلت: هذا شيء غريب، كيف يلتزم به من لايرى التحريف في القرآن! إذ يرجع إثبات هذا النوع من النسخ إلى القول بالتحريف، بأن تكون آية ذات حكم تشريعيّ، وكانت تُتلى حتى وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ثمّ نُسيت، وليس ذلك سوى إسقاط آية بعد وفاته صلى الله عليه و آله الأمر الذي تنكره جماعة المسلمين إطلاقا.
والغريب أن الشيخ الزرقاني حاول إثباته بإجماع القائلين بالنسخ من المسلمين
[١] - فصّلت ٤٢: ٤١.
[٢] - راجع: الإتقان، ج ٣، ص ٦٢- ٦٣.
[٣] - راجع: مناهل العرفان، ج ٢، ص ٢١٤.
[٤] - راجع: صحيح مسلم، ج ٤، ص ١٦٧؛ وسنن الترمذي، ج ٣، ص ٤٥٦.