التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١ - ٦ - تحكيم الرأي والاجتهاد
ولقوله تعالى: «حُوباً كَبِيراً»[١] وقوله: «وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ».[٢]
انظر إلى هذا التضارب في الآراء والاختيارات، وكيف يتدخّل مثل أبي محمد في ترجيح إحدى القراءتين على الأُخرى، لحجج وتعاليل- أيضا- يعتمدها. ومن ثمّ فإنّ القائل بتواتر القراءات عن النبيّ صلى الله عليه و آله يضرب على غير وتره.
أضف إلى ذلك قراءات بعض السلف كانت محض اجتهاد شخصيّ حتى ولو كانت مخالفة للمشهور المأثور! هذا سعدبن أبي وقّاص كان يقرأ «مَانَنْسَخُ مِنْ آيةٍ أَوْ نَنْساها».[٣] وفي رواية «أَو نَنْسَأَها»! فقيل له: إنّ سعيدبن المسيَّب قرأها: «أَوْ نُنْسِها»- كما هي المشهورة؟ فقال لم ينزل القرآن على المسيَّب ولا على ابنه، إنّما هي: «مَا نَنْسَخُ من آية أو ننساها يامحمد». وتمثّل بقوله تعالى «سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ».[٤] وقوله «وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ».[٥]
إن هذا إلّا تزمّت غريب دون قراءة المشهور؟!
والغريب: أنّ كتب القراءات ربّما يذكرون إحدى الحروف، من غير أن ينسبوه إلى قارئ مشهور أو غير مشهور، ويعلّلون بأنّه إجازة فلان النحويّ مثلًا.
قال محمد بن أبي نصر الكرماني: وأجاز الزجّاج: «مِن تَفاؤُتٍ»[٦] مهموز وهكذا قال في قوله تعالى: «كُفُواً أَحَدٌ» أجاز الزجّاج: «كُفُئا» بالهمز[٧] وهل تصلح إجازة نحويّ لاختيار قراءة القرآن؟!
الأمر الذي يُنبؤك على أنّ اعتبارهم «التواتر» في القراءة كلام تشريفيّ ظاهريّ، لم يعبأ به السلفُ والخلفُ عمليّا إطلاقا.
وأجدني في غنى عن سرد شواهد أكثر، حيث وفرة الكتب المصنّفة في توجيه القراءات وذكر عللها وحججها، هي في متناول الجميع.
[١] - النساء ٢: ٤.
[٢] - البقرة ٢١٧: ٢؛ راجع: الكشف، ج ١، ص ٢٩١- ٢٩٢.
[٣] - البقرة ١٠٦: ٢.
[٤] - الأعلى ٦: ٨٧- ٧.
[٥] - الكهف ٢٤: ١٨؛ راجع: المصاحف، ص ٩٦؛ وجامع البيان، ج ١، ص ٣٧٩؛ والدرّ المنثور، ج ١، ص ١٠٤- ١٠٥.
[٦] - الملك ٣: ٦٧.
[٧] - شواذ القراءات واختلاف المصاحف، ص ٢٤٦ و ٢٧٣.