التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٣ - ٣ - نسخ الحكم دون التلاوة
٣- نسخ الحكم دون التلاوة
بأن تبقى الآية ثابتة في الكتاب يقرؤها المسلمون عبر العصور، سوى أنّها من ناحية مفادها التشريعي منسوخة، لايجوز العمل بها بعد مجيء الناسخ القاطع لحكمها.
هذا النوع من النسخ هو المعروف بين العلماء والمفسّرين، واتّفق الجميع على جوازه إمكانا، وعلى تحقّقه بالفعل أيضا، حيث قالوا بوجود آيات منسوخة في القرآن، مع اختلافهم في عددها!
نعم كانت لهذا النوع من النسخ أنحاء ثلاثة، وقع الكلام في إمكان بعضها، نعرضها فيمايلي:
(الأوّل): أن ينسخ مفاد آية كريمة، بسنّة قطعيّة أو إجماع محقّق، كآية الإمتاع إلى الحول بشأن المتوفّى عنها زوجها[١] فإنّها- بظاهرها- لاتتنافى وآية العِدَد والمواريث، غير أنّ السنّة القطعيّة وإجماع المسلمين أثبتا نسخها بآية العِدَد والمواريث، كما قيل، وسوف نعرض لها.
واستشكل بعضهم نسخ القرآن بالسنّة، نظرا لأنّ الأوّل قطعيّ والثانية ظنيّة.
والجواب: أنّ مفروض الكلام ما إذا كانت السنّة متواترة وقطعيّة الصدور أيضا، ودَعَمها إجماعُ الأُمَّة في جميع العصور، على ما سنبحث في آيات منسوخة من هذا النمط.
(الثاني): أن ينسخ مفاد آية بآية أُخرى، بحيث تكون الثانية ناظرة إلى مفاد الأُولى ورافعة لحكمها بالتنصيص، ولولا ذلك لم يكن موقع لنزول الثانية وكانت لغوا. وهذا كآية النجوى[٢] أوجبت التصدّق بين يدي مناجاة الرسول صلى الله عليه و آله، ونسختها آية الإشفاق: «أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ...».[٣]
وهذا النحو من النسخ لم يختلفوا فيه.
(الثالث): أن تنسخ آية بأُخرى من غير أن تكون إحداهما ناظرة إلى الأُخرى سوى
[١] - البقرة ٢٤٠: ٢.
[٢] - المجادلة ١٢: ٥٨.
[٣] - المجادلة ١٣: ٥٨.