التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٠ - حصر القراءات في السبع
قال العلّاف: سألت أباطاهر: أي الرجلين أفضل، أبوبكر ابن مجاهد، أو أبوالحسن ابن شنبوذ؟ قال: فقال لي أبوطاهر: أبوبكر ابن مجاهد عقله فوق علمه، وأبوالحسن ابن شنبوذ علمه فوق عقله.[١]
كان ابن مجاهد حريصا على التزمّت، والأخذ بتقليد السلف فيما قرأوا، قال عبدالواحد بن أبي هاشم: سأل رجل ابن مجاهد: لم لايختار الشيخ لنفسه حرفا يحمل عليه؟ فقال: نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ مامضى عليه أئمّتنا، أحوج منّا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا.[٢]
وهوالذي أشار على الوزير ابن مقلة بإحضار ابن شنبوذ[٣] وابن مقسم[٤] في مجلسين ومحاكمة كلّ واحد منهما بملأ من الفقهاء، للضرب على يد الاختيار رأسا.
قال الدكتور صبحي الصالح: وقد انعقد المجلسان بأمر شيخ القرّاء ابن مجاهد، الذي عرفنا أنّه أوّل من جمع القراءات السبع. وكان ابن مجاهد قد أخذ القراءة عن ابن شاذان الرازي الذي أخذ عنه أيضا كلّ من ابن مقسم وابن شنبوذ ولكن اشتراك الثلاثة في التلقّي عن شيخ واحد لم يمنع ابن مجاهد من التشدّد مع زميليه.[٥]
وكان اعتراض ابن شنبوذ لموقف ابن مجاهد هذا شديدا، حسبما ذكرنا بعض كلامه.
وهكذا اعترض ابن مقسم على سدّ باب الاختيار في القراءة، قال: لمّا كان لخلف بن هشام وأبي عبيد وابن سعدان، أن يختاروا، وكان ذلك مباحا لهم غير منكر، كان لمن بعدهم- أيضا- مباحا.[٦]
وهكذا جاهد ابن مجاهد قصارى جهده في سدّ باب الاختيار في القراءة وقد توفّق لذلك نسبيّا، حيث وافقته الظروف القاسية التي كانت تمرّ بركب الإسلام ذلك القرن
[١] - غاية النهاية في طبقات القرّاء، ج ٢، ص ٥٤- ٥٦.
[٢] - معرفة القرّاء الكبار، ج ١، ص ٢١٧.
[٣] - محمّدبن أحمد بن أيّوب بن شنبوذ. راجع: غاية النهاية في طبقات القرّاء، ج ٢، ص ٥٢.
[٤] - محمدبن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن مقسم. راجع: المصدر، ص ١٢٣.
[٥] - مباحث في علوم القرآن، ص ٢٥١- ٢٥٢؛ وراجع: معرفة القرّاء الكبار، ج ١، ص ٢٢١ و ٢٤٧.
[٦] - معرفة القرّاء الكبار، ج ١، ص ٢٤٩.