التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢ - القراءات في نشأتها الاولى
ولم يكن ذلك من الإمام اعتراضا على القارئ ولادعوة إلى تغيير الكلمة، بل كان مجرّد حديث نفس ترنّم عليه السلام به. لكن اناسا سمعوا كلامه، فهبّوا يقترحون عليه: أَوَلا نحوّله؟ فانبرى الإمام مستغربا هذا الاقتراح الخطير، وقال كلمته الخالدة: «لايُهاج القرآن اليومَ وَلايُحوّل».[١]
وأصبح موقف الإمام عليه السلام هذا مرسوما إسلاميّا مع الأبد، لايحقّ لمسلم أن يمدّ يد إصلاح إلى أخطاء القرآن، مهما كانت نيّته صادقة أم كاذبة، وبذلك حلّ القرآن الكريم وسط إطار من التحفّظ الكامل على نصّه الأصيل، وسلم من التحريف والتبديل أبديّا.
(ملحوظة): لأبي بكر بن الأنباري- هنا- تعليقة، أظنّها قد فرطت منه لاشعوريّا. قال- بعد أن نقل الحديث عن الإمام عليه السلام-: «ومعنى هذا أنّه رجع إلى ما في المصحف وعلم أنّه الصواب وأبطل الذي كان فرط من قوله».[٢]
ولا شكّ أنّ مثل هذا الاحتمال بالنسبة إلى مثل الإمام عليه السلام فضول ينمّ عن جهل قائله بموضع الإمام من القرآن الذي كان أعلم الصحابة بمواقع آي القرآن متى نزلت وأين نزلت وفيم نزلت.[٣] وكان يرى نور الوحي ويشمّ ريح النبوّة. وقال له الرسول صلى الله عليه و آله: «إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلّا أنّك لست بنبيّ»[٤] فكان باب مدينة علمه الذي منه يؤتى.[٥] ومن ثمّ كان الصحابة يرجعون إليه فيما أشكل عليهم ولايرجع إلى أحد منهم.[٦] ينحدر عنه السيل ولايرقى إليه الطير.[٧]
أفي شأن مثل هذه الشخصيّة اللامعة في افق العلم والإسلام يحتمل هكذا احتمالات
[١] - جامع البيان، ج ٢٧، ص ١٠٤؛ ومجمع البيان، ج ٩، ص ٢١٨.
[٢] - تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن، ج ١٧، ص ٢٠٩؛ نقلًا عن كتابه« المصاحف» الذي وضعه للردّ على من خالف مصحف عثمان؛ انظر، الإتقان، ج ١، ص ١٨.
[٣] - انظر: تفسير البرهان للبحراني، ج ١، ص ٤٠، ح ١٣.
[٤] - نهج البلاغه، الخطبة القاصعة، ص ٣٠١.
[٥] - المستدرك على الصحيحين للحاكم، ج ٣، ص ١٢٦؛ قال: حديث صحيح الإسناد.
[٦] - انظر، فضائل الخمسة للفيروزآبادي، ج ٢، ص ٢٧١- ٣٠٨.
[٧] - نهج البلاغة، الخطبة الشقشقيّة، ص ٤٨.