التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٥ - النسخ المشروط
غير أنّ ظاهره الدوام. ومن ثمّ كان التنافي بينه وبين الناسخ المتأخّر شكليّا محضا، إن ثبت النسخ. وسيبدو ذلك بتوضيح أكثر عند الجواب عن الشبهة الثالثة الآتية.
النسخ المشروط[١]
هناك من أنواع النسخ ما نصطلح عليه بالنسخ المؤقّت أو النسخ المشروط. وهو ما إذا كان الحكم المنسوخ رهن ظروف وأحوال تغيّرت إلى حالة أُخرى استدعت تشريع حكم جديد، لكنّها مع ذلك صالحة للعود على حالتها الأُولى، إمّا في رقعة أُخرى من الأرض أو في فترة آتية من الزمان، فإنّ من الحكمة أن يعود الحكم المنسوخ إلى ساحة الوجود.
فكلّ من الناسخ والمنسوخ، هو رهن حالة تخصّه، وقيد مصلحة تلتئم معه. فمادامت فالحكم يدوم معها، ولو زالت فالحكم يزول معها، وإذا مارجعت فإنّ الحكم يرجع معها ...
وهكذا ..
مثاله: الصدقات الواجبة في سبيل اللّه: كان على المسلمين أن يقوموا بتجهيز بِنية الدولة الماليّة مهما كلّف الأمر، وهو الوارد في القرآن كثيرا باسم الإنفاق في سبيل اللّه. كان ذلك واجبا حتما مادامت الحاجة باقية. ثمّ لمّا فرضت الزكاة وأخماس الغنائم والخراج ونحو ذلك، وزالت حاجة الدولة إلى مؤونة غيرها، زال ذلك التكليف. لكن إذا مادهمت الأُمّة حادثة أو كارثة تحتاج إلى مؤونة زائدة، أو عرض مايستدعي صرف مال أكثر، فإنّ المصلحة تقتضي فرض ضرائب متناسبة مع حاجة الدولة، ويكون على عهدة المسلمين القيام بوظيفتها.
وعليه فمثل هذه الأحكام لاتعدّ منسوخة بقول مطلق، بل هي باقية مستمرّة، لكن قيد شروط وأحوال، متى تحقّقت تنجّزت أحكامها، كسائر الأحكام المترتّبة على مواضيعها، على نحو القضايا الحقيقيّة، حسب مصطلحهم.
وهكذا مسألة الصفح والمداراة مع الكفّار، كانت فريضة واجبة في صدرالإسلام يوم
[١] - تنبّهنا عليه خلال التدريس على الطلبة في مطلع القرن الخامس عشر للهجرة.