التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١ - عوامل أخرى
أكّدت الفعل بالمصدر لايكون مجازا، وأنّه لايجوز في قول الشاعر: «امتلأ الحوض وقال قَطْني» أن يقول: قال قولًا، فكذا لمّا قال: «تكليما» وجب أن يكون كلاما على الحقيقة من الكلام الذي يعقل[١] فوجب أن يكون من موسى عليه السلام.
وكذا نسب إلى بعضهم أنّه قرأ: «فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ وَأَقيلوا أَنْفُسَكُمْ»[٢] نظرا لعدم صحّة الأمر بقتل النفس، وهكذا كثير من القراءات المنسوبة إلى ذوي المذاهب الخاصّة، كانت مخالفة للقراءة المشهورة.
* ومنها: ضعف إمكانيّة القارئ أدبيّا، وعدم معرفته بقواعد اللغة، فربّما يلحن في قراءة القرآن ويُعدّ ذلك قراءة، نظرا لموقعه الاجتماعي المعروف، كقراءات منسوبة إلى أبي حنيفة- وهو مشهور باللّحن في كلامه- يحكى عنه: أنّه قرأ: «إنَّما يَخْشَى اللّه- بالرفع- مِنْ عِبادِهِ العلماء- بالنصب-»[٣] وتنسب إلى عمربن عبدالعزيز- أيضا-[٤] وربّما توجّه بأنّ معنى الخشية- في هذه القراءة- هو التعظيم والتكريم. وهي محاولة لتوجيه قراءة شاذّة.[٥]
وقد سبق تلحين كثير من أئمّة الأدب كثيرا من قراءات قرّاء مشهورين.
وبعد ... فهذه العوامل الأخيرة، يجب أن يشطب عليها في حقل الأبحاث القرآنية بعد أن كانت لاتَمُتّ إلى قانون أو سبب معروف في هذا الباب، ولم يكن أصحابها اختصاصيّين في فنّ القراءة، فكانت قراءاتهم تلك محض مصادفة اتفاقيّة، غير منسلكة ضمن «قراءات القرآن»- بما في هذه الكلمة من شمول، لكن في إطار إصطلاحيّ معروف- وما تلك القراءات إلّا كخواطر أو هواجس نفسيّة خطرت لغير ذي اختصاص، وسجّلت نظرا لموقعيّة قارئها آنذاك. كقراءة أبي بكر- قُبَيل وفاته-: «وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الحَقّ بالمَوْت»[٦] ولم تكن عن سوى خطأ لَسَني جرى على لسانه غفلة.
ومن ثَمَّ فإنّ أمثال هذه القراءات، لاتُعدّ حتى من الشواذّ المبحوث عنها في بحث
[١] - انظر: تفسير القرطبي، ج ٦، ص ١٨.
[٢] - البقرة ٥٤: ٢؛ تنسب هذه القراءة إلى قتادة. تفسير القرطبي، ج ١، ص ٤٠٢.
[٣] - فاطر ٢٨: ٣٥.
[٤] - راجع: تفسير القرطبي، ج ١٤، ص ٣٤٤.
[٥] - انظر: البرهان للزركشي، ج ١، ص ٣٤١.
[٦] - ق ١٩: ٥٠؛ راجع: المصدر، ص ٣٣٥.