التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٠ - من سورة المائدة - تسع آيات
قلت: مسؤولية الجماعة المؤمنة عن تكوين مجتمع إيماني، لتبتدئ بالمسؤولية عن النفس أوّلًا، ثمّ عن الأهل والعشيرة ثانيا، وتنتهي بالمسؤوليّة عن الأُمَّة والناس جميعا.
فإنّه يجب على كلّ مسلم- أوّلًا وبالذات- أن يهتمّ بتهذيب نفسه وإصلاح شؤونه الأخلاقيّة، وهي اللبنة الأُولى لبناء هيكل المجتمع الصالح. ثمّ بذوي قرابته وأهله ممّن يعولهم وتشملهم سلطته، في تكوين مجتمع صغير يتألّف منه المجتمع الكبير.
وأخيرا مسؤولية الدعاء العامّ إلى سائر الناس.
وهذه الآية الكريمة تعني المرحلة الأُولى التي لاتمسّ مسالك الآخرين في حدّ ذاتها، إذ ليس ضلال الآخرين مبرّرا للانشغال عن تربية النفس وتهذيبها. كما ليس معنى هذا أن يتخلّى الإنسان عن وظيفته ومسؤوليّته في الاهتمام بشؤون غيره وفي سبيل دعوة الناس إلى الهدى. فلم تكن سائر الآيات ناسخة لهذه الآية، وإنّما وقعت في طولها حسب الترتيب الطبيعي للأمر.
فالآية: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ»[١] تشير إلى المرحلة الثانية. وأمّا المرحلة الثالثة فتشير إليها الآية الكريمة: «وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً».[٢]
والمراحل الثلاث مندمجة في بعضها ومتشابكة مع بعضها، من غير فصل بينها بتاتا، إنّها مسؤوليّات متلازمة وفي نفس الوقت متلاحقة، ولكن تلاحقا حسب الترتيب الطبعي، حيث المسؤوليّة عن النفس أُولى المسؤوليات ثمّ المسؤوليّة عن الأهل، وأخيرا المسؤوليّة عن الجماعة. وهذا لايعني تفكّكها حسب الوجود والفعليّة.
٦٠ (٧)- «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ».[٣]
[١] - التحريم ٦: ٦٦.
[٢] - البقرة ١٤٣: ٢.
[٣] - المائدة ١٠٦: ٥.