التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٧ - ١ - نسخ الحكم والتلاوة معا
بعض الملحدين ممّن يتستّر بإظهار الإسلام- وهو قاصد إلى إفساده-: هذا جائز بعد وفاته صلى الله عليه و آله أيضا واستدلّ في ذلك بما روي أنّ أبابكر الصدّيق كان يقرأ «لاترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم». وأنس كان يقول: قرأنا في القرآن «بلّغوا عنّا قومنا إنّا لقينا ربّنا فرضي عنّا وأرضانا». وقال عمر: قرأنا آية الرجم في كتاب اللّه ووعيناها. وقال أُبيّبن كعب: إنَّ سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة أو أطول منها!!
قال: والشافعي، لايظنّ به موافقة هؤلاء في هذا القول، ولكنّه استدلّ بما هو قريب من هذا في عدد الرضعات،[١] فإنّه صحّح ما يروى عن عائشة: وإنَّ ممّا أُنزل في القرآن «عشر رضعات معلومات يحرّمن» فنسخن بخمس رضعات معلومات، وكان ذلك ممّا يتلى في القرآن بعد وفاة رسولاللّه صلى الله عليه و آله.
قال: والدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ».[٢] ومعلوم أنّه ليس المراد الحفظ لديه تعالى، فإنّه يتعالى من أن يوصف بالغفلة أو النسيان، فعرفنا أنّ المراد الحفظ لدينا ... وقد ثبت أنّه لاناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ولو جوّزنا هذا في بعض ما أُوحي إليه لوجب القول بتجويز ذلك في جميعه، فيؤدّي ذلك إلى القول بأن لايبقى شيء ممّا ثبت بالوحي بين الناس في حال بقاء التكليف. وأيّ قول أقبح من هذا؟! ومن فتح هذا الباب لم يأمن أن يكون بعض ما بأيدينا اليوم أو كلّه مخالف لشريعة رسولاللّه صلى الله عليه و آله بأن نسخ اللّه ذلك بعده، وألّف بين قلوب الناس على أن ألهمهم ماهو خلاف شريعته. فلصيانة الدين إلى آخر الدهر أخبر اللّه تعالى أنّه هو الحافظ لما أنزله على رسوله. وبه يتبيّن أنّه لايجوز نسخ شيء منه بعد وفاته. وما ينقل من أخبار الآحاد شاذّ لايكاد يصحّ شيء منها.
قال: وحديث عائشة لايكاد يصحّ، لأنّه (أي الراوي) قال في ذلك الحديث: وكانت الصحيفة تحت السرير فاشتغلنا بدفن رسول اللّه صلى الله عليه و آله فدخل داجن البيت فأكله. ومعلوم أنّ
[١] - وهكذا أبومحمد بن حزم استدلّ بذلك، انظر المحلّى: ج ١، ص ١٥.
[٢] - الحجر ٩: ١٥.