التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٩ - الفرق بين النسخ والبداء
شرّعه تعالى وفق تلك المصلحة المحدودة من أوّل الأمر.
لكن لمصلحة في التكليف أخفى تعالى بيان الأمد، وأجّله إلى وقته المحدود. ثمّ في نهاية الأمد جاء البيان إلى الناس: أنّ هذا التشريع قد انتهى بهذا الأجل.
فالنسخ في حقيقته الدينيّة ليس سوى تأخير بيان الأمد المضروب من الأوّل. ولعلّ في تأخير هذا البيان مصلحة للأُمَّة، منها الاختبار بتوطينهم على الطاعة فيما كان التكليف السابق شاقّا- مثلًا-. وغير ذلك من مصالح يراها المولى الحكيم.
وعليه فالتعبير عن هذه الظاهرة الدينيّة بالنسخ تعبير ظاهريّ حسب ماكان يزعمه الناس، حيث فهموا من إطلاق التشريع السابق بقاءه واستمراره، وبعد أن جاء بيان الأمد متأخّرا مصحوبا بتشريع لاحق، حسبوه نسخا واقعيّا للتشريع القديم. لما لمسوا من خواصّ النسخ فيه. وهذه استعارة في التعبير وليس من الحقيقة في شيء.
الفرق بين النسخ والبداء
إذا كان النسخ في التشريع- بمعنى نشأة رأي جديد- مستحيلا بحقّه تعالى، فهكذا البداء في التكوين- بنفس المعنى- مستحيل بشأنه تعالى، على حدّ سواء.
إذ لا فرق بين النسخ والبداء، سوى أنّ الأوّل خاصّ بالتشريعيّات- اصطلاحا- والثاني بالتكوينيّات. فإنّ كلّا منهما في مفهومهما الأصلي- وهو تبدّل الرأي- ممتنع بالقياس إلى علمه تعالى الأزلي المحيط، بلا فرق.
إذن فكما أنّ النسخ إنّما كان بمعناه الظاهري مستعملا في الشريعة، وهو ظهور الشيء بعد خفاه على الناس، فكذلك البداء، ظهور أمر بعد خفاء. سوى أنّ الأوّل ظهور أمد حكم كان معلوما عند اللّه خافيا على الناس، والثاني ظهور أمر أو أجل كان محتّما عنده تعالى من الأزل، وخافيا على الناس ثمّ بدا لهم أي ظهرت لهم الحقيقة.
والخلاصة: أنّ للبداء في التكوين- كالنسخ في التشريع- معنيين، يكون بأحدهما مستحيلا بشأنه تعالى، وجائزا بالمعنى الآخر.