التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٥ - من سورة البقرة - ست وعشرون آية
والصحيح: أنّ الآية تعني أمرا لايقبل نسخا ولا تخصيصا.
إنَّ دين اللّه دين فطرة وعقيدة، منبعث من الأعماق، فتبعث على الاستقامة في مجالي العقيدة والسلوك «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ...»[١] قولًا منبعثا من أعماق فطرتهم، واستقامة في جميع اتجاهاتهم. وهذا لابدّ أن يسبقه يقين صادق وإيمان جازم راسخ، الأمر الذي تعجز القوّة القاهرة عن تكوينه إلّا ببرهان رشيد وبيان رصين.
وهناك فرق كبير بين الإسلام والاستسلام، «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا»[٢]- أي استسلمنا-.
والمطلوب الأقصى هو الإيمان الصادق. وهو أمر قلبيّ، ولا سلطة لسوى البرهان على القلوب، ومن ثمّ فإنّ من طبيعة الدّين الذاتيّة هو الاختيار لا جبر ولا إكراه.
ومن ثمّ قال تعالى تفريعا على الآية المذكورة «قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ».[٣]
قال السيّد شبّر رحمه الله: لم يجر اللّه أمر الدين على الإجبار بل على الاختيار، «فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ»[٤] وليست المشيئة في الاختيار ترخيصا شرعيّا، بل تنويها بشأن هذا الدين الحقّ الذي لايعالجه سوى وضح البرهان وقدرة البيان.
وماذكروه سببا لنزول هذه الآية شاهد آخر على إرادة هذا المعنى.[٥]
٢٥- «وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ».[٦]
قال ابن حزم: نسختها «فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ».[٧]
قلت: هذا تخصيص في الحكم العامّ. وليس من النسخ المصطلح.
٢٦- «وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ».[٨]
روي عن أبي هريرة- في حديث-: أنّها منسوخة بآية «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا
[١] - فصّلت ٣٠: ٤١.
[٢] - الحجرات ١٤: ٤٩.
[٣] - البقرة ٢٥٦: ٢.
[٤] - الكهف ٢٩: ١٨. راجع: تفسير شبّر، ص ٧٩.
[٥] - مجمع البيان، ج ٢، ص ٣٦٣- ٣٦٤.
[٦] - البقرة ٢٨٢: ٢.
[٧] - البقرة ٢٨٣: ٢.
[٨] - البقرة ٢٨٤: ٢.