التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٧ - تواتر القرآن
والتابعين قرأوا بلغاتهم، وجروا على عادتهم، وخلّوا أنفسهم وسَوْمَ طبائعهم، فكان ذلك جائزا لهم، ولقوم من القرّاء بعدهم مأمونين على التنزيل، عارفين بالتأويل، فأمّا نحن- معشر المتكلّفين- فقد جمعنا اللّه بحسن اختيار السلف لنا على مصحف هو آخر العرض، وليس لنا أن نعدوه، كما كان لهم أن يفسّروه وليس لنا أن نفسّره. ولو جاز لنا أن نقرأه بخلاف ما ثبت في مصحفنا، لجاز لنا أن نكتبه على الاختلاف والزيادة والنقصان والتقديم والتأخير. وهناك يقع ماكرهه لنا الأئمّة الموفّقون».[١]
هذا كلام إمام محقّق يجعل من «مصحفنا»- معشر المسلمين- مقياسا لمعرفة القراءة الصحيحة، وينبّه على أنّ اختيار السلف «هو آخر العرض» الذي لايمكن تغييره بتاتا:
«وليس لنا أن نعدوه».
وقال الحجة البلاغي: «ومن أجل تواتر القرآن الكريم بين عامّة المسلمين جيلًا بعد جيل، استمرّت مادّته وصورته وقراءته المتداولة، على نحو واحد، فلم يؤثّر شيئا على مادّته وصورته مايروى عن بعض الناس من الخلاف في قراءته من القرّاء السبعة المعروفين وغيرهم. فلم تسيطر على صورته قراءة أحدهم اتباعا له ولو في بعض النسخ، ولم يسيطر عليه أيضا ما روي من كثرة القراءات المخالفة له ممّا انتشرت روايته في الكتب كجامع البخاري و مستدرك الحاكم ...
وإنّ القراءات السبع فضلا عن العشر إنّما هي في صورة بعض الكلمات لابزيادة كلمة أو نقصها، ومع ذلك ماهي إلّا روايات آحاد عن آحاد لاتوجب اطمئنانا ولا وثوقا، فضلا عن وهنها بالتعارض ومخالفتها للرسم المتداول المتواتر بين عامّة المسلمين في السنين المتطاولة ...
إذن فلا يحسن أن يعدل في القراءة عمّا هو المتداول في الرسم، والمعمول عليه بين عامّة المسلمين في أجيالهم، إلى خصوصيّات هذه القراءات. مضافا إلى أنّا- معاشر
[١] - تأويل مشكل القرآن، ص ٤٢.