التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٦ - وقفة حاسمة
كما سمّي التخويف و التعذيب في قصّة نمرود إتيانا، فقال- عزّ من قائل-: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ أَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ[١]. و قال في قصّة بني النضير: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا[٢]. وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَ كَفى بِنا حاسِبِينَ[٣].
قال: و إنّما احتمل الإتيان هذه المعاني، لأنّ أصل الإتيان عند أهل اللسان هو القصد إلى المشي. فمعنى الآية: هل ينظرون إلّا أن يظهر اللّه خلاف ما يتوقّعونه، فيعمد إلى مجازاتهم و يقضي بشأنهم ما هو قاض، و يجازيهم على أعمالهم، و يمضي فيهم ما أراد.
قال: يدلّ عليه ما رواه محمّد بن كعب القرظي عن أبي هريرة:
[٢/ ٥٨٩١] قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إذا كان يوم القيامة، يأتي اللّه- عزّ و جلّ- في ظلال من الغمام، و الملائكة، فيتكلّم بكلام طلق ذلق، فيقول: انصتوا، فطالما أنصتّ لكم منذ خلقتكم، أرى أعمالكم، و أسمع أقوالكم، فإنّما هي صحفكم و أعمالكم نقرأ عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه، و من وجد غير ذلك، فلا يلومنّ إلّا نفسه! فيقضي اللّه- عزّ و جلّ- بين خلقه، الجنّ و الإنس و البهائم.
فإنّه ليقتصّ يومئذ للجمّاء من القرناء»[٤].
[٢/ ٥٨٩٢] و أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «يجمع اللّه الأوّلين و الآخرين لميقات يوم معلوم قياما أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينظرون فصل القضاء، و ينزل اللّه في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسيّ»[٥].
[٢/ ٥٨٩٣] و أخرج عبد بن حميد و أبو يعلى و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عبّاس في هذه الآية قال: يأتي اللّه يوم القيامة في ظلل من السحاب قد قطّعت طاقات[٦].
[١] النحل ١٦: ٢٦.
[٢] الحشر ٥٩: ٢.
[٣] الأنبياء ٢١: ٤٧.
[٤] الثعلبي ٢: ١٢٩- ١٣٠. بتصحيح و تحقيق على تفسير البغوي ١: ٢٦٩. و الخازن ١: ١٤٠. و صحّحنا الحديث الأخير على الطبري( ٢: ٤٤٩- ٤٥٠/ ٣٢١١) في حديث طويل.
[٥] الدرّ ١: ٥٨٠؛ الكبير ٩: ٣٥٧- ٣٥٨/ ٩٧٦٣؛ ابن كثير ١: ٢٥٦.
[٦] الدرّ ١: ٥٨٠؛ ابن أبي حاتم ٢: ٣٧٢/ ١٩٦٠؛ الثعلبي ٢: ١٢٨.