التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٥ - وقفة حاسمة
منها نماذج و نحيل الطالب إلى مظانّه من كتب التفسير بالمأثور.
قال أبو إسحاق الثعلبي: اختلفوا في تأويل الآية، ففسّر الإتيان قوم على الإتيان الّذي هو الانتقال من مكان إلى مكان، و أدخلوا بلا كيف. و استندوا إلى ظواهر أخبار وردت لم يعرفوا وجه تأويلها، و هذا غير مرضيّ من القول، لأنّه إثبات المكان للّه- سبحانه- و إذا كان متمكّنا وجب أن يكون محدودا متناهيا، و محتاجا و فقيرا، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.
[٢/ ٥٨٨٧] و قال بعض المحقّقين الموفّقين، أظنّه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: «من زعم أنّ اللّه تعالى من شيء أو في شيء أو على شيء فقد ألحد، لأنّه لو كان من شيء لكان محدثا، و لو كان في شيء لكان محصورا، و لو كان على شيء لكان محمولا»[١].
قال الثعلبي: و سكت قوم عن الخوض في معنى الإتيان، فقالوا: نؤمن بظاهره و نقف عن تفسيره؛ لأنّا قد نهينا أن نقول في كتاب اللّه تعالى ما لا نعلم، و لم ينبّهنا اللّه تعالى و لا رسوله على حقيقة معناه:
[٢/ ٥٨٨٨] و قال الكلبي: هذا من العلم المكتوم الّذي لا يفسّر!
[٢/ ٥٨٨٩] و كان مكحول و الزّهري و مالك و الأوزاعي و ابن المبارك و سفيان الثوري و الليث بن سعد و أحمد بن حنبل و إسحاق بن راهويه و جماعة من المشايخ يقولون فيه و في أمثاله: «أمرّوها كما جاءت بلا كيف».
[٢/ ٥٨٩٠] و قال سفيان بن عيينة: كلّ ما وصف اللّه به نفسه في كتابه فتفسيره: قراءته و السكوت عنه، ليس لأحد أن يفسّره إلّا اللّه تعالى و رسوله.
و زعم قوم أنّ في الآية إضمارا، أو اختصارا، تقديرها: إلّا أن يأتيهم أمر اللّه، و هو الحساب و العذاب. دلّ عليه قوله: وَ قُضِيَ الْأَمْرُ أي وجب العذاب و فرغ من الحساب.
و قالت طائفة من أهل الحقائق: إنّ اللّه يحدث فعلا يسمّيه «إتيانا». و كما سمّاه «نزولا»، و أفعاله بلا آلة و لا علّة.
قال الثعلبي: و يحتمل أن يكون معنى الإتيان هاهنا راجعا إلى الجزاء، فسمّي الجزاء إتيانا،
[١] و بهذا المعنى استفاضت الروايات عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام رواها ابن بابويه الصدوق في كتاب التوحيد، باب نفي المكان: ١٧٨- ١٧٩.