التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٥ - سورة البقرة(٢) آية ٢١٩
و جملة القول: إنّ تحريم الخمر على أقوال المفسّرين و الحفّاظ، مختلفة و بعضها متّفقة، هي أنّ اللّه أنزل في الخمر أربع آيات نزلت بمكّة: وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً[١] و هو المسكر، و كان المسلمون يشربونها و هي لهم يومئذ حلال، و نزلت في مسألة عمر و معاذ:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما فلمّا نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ ربّكم تقدّم في تحريم الخمر»[٢]. فتركها قوم لقوله: فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ و قالوا: لا حاجة لنا في شيء فيه إثم كبير لقوله: وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ! و كانوا يتمتّعون بمنافعها و يجتنبون آثامها، إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا ناسا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أمامهم الخمر فشربوا و سكروا، و حضرت صلاة المغرب فقدّموا بعضهم ليصلّي بهم فقرأ: «قل يا أيّها الكافرون. أعبد ما تعبدون» إلى آخر السورة فحذف «لا» فأنزل اللّه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ فحرّم المسكر في أوقات الصلاة فقال عمر: إنّ اللّه يقارب في النهي عن شرب الخمرة، فلا أراه إلّا و سيحرّمها، فلمّا نزلت، تركها قوم و قالوا: لا خير في شيء يحول بيننا و بين الصلاة. و كان قوم يشربونها و يجلسون في بيوتهم، و كانوا يتركونها أوقات الصلاة، و يشربونها في غير حين الصلاة إلى أن شربها رجل من المسلمين فجعل ينوح على قتلى بدر و يقول:
|
تحيّي بالسّلامة أمّ بكر |
و هل لك بعد رهطك من سلام؟ |
|
|
ذريني أصطبح بكرا فإنّي |
رأيت الموت نقّب عن هشام |
|
|
و ودّ بنو المغيرة لو فدوه |
بألف من رجال أو سوام |
|
|
كأنّي بالطويّ طويّ بدر |
من الشّيزي يكلّل بالسّنام |
|
|
كأنّي بالطويّ طويّ بدر |
من الفتيان و الحلل الكرام |
|
فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فخرج مسرعا يجرّ رداءه حتّى انتهى إليه و رفع شيئا كان بيده ليضربه، فلمّا عاينه الرجل قال: أعوذ باللّه من غضب اللّه و غضب رسول اللّه، و اللّه لا أطعمها أبدا[٣].
[١] النحل ١٦: ٦٧.
[٢] انظر: الطبري ٢: ٤٩٤/ ٣٣١٣.
[٣] الثعلبي ٢: ١٤١- ١٤٢.