التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٦ - سورة البقرة(٢) آية ٢١٩
و لكن عند ما يتعلّق الأمر أو النهي بعادة و تقليد، أو بوضع اجتماعيّ معقّد، فإنّ الإسلام يتريّث به و يأخذ المسألة باليسر و الرفق و التدرّج، و يهيّئ الظروف الواقعية الّتي تيسّر التنفيذ و الطاعة.
فعند ما كانت المسألة مسألة التوحيد أو الشرك، أمضى أمره منذ اللحظة الأولى، في ضربة حازمة جازمة، لا تردّد فيها و لا تلفّت، و لا مجاملة فيها و لا مساومة، و لا لقاء في منتصف الطريق.
لأنّ المسألة هنا مسألة قاعدة أساسيّة للتصوّر؛ لا يصلح بدونها إيمان و لا يقام إسلام.
فأمّا في الخمر و الميسر فقد كان الأمر أمر عادة و إلف. و العادة تحتاج إلى علاج. فبدأ بتحريك الوجدان الدينيّ و المنطق التشريعيّ في نفوس المسلمين، بأنّ الإثم في الخمر و الميسر أكبر من النفع. و في هذا إيحاء بأنّ تركهما هو الأولى. ثمّ جاءت الخطوة الثانية بآية سورة النساء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ[١]. و الصلاة في خمسة أوقات، معظمها متقارب، لا يكفي ما بينها للسكر و الإفاقة! و في هذا تضييق لفرص المزاولة العمليّة لعادة الشرب، و كسر لعادة الإدمان الّتي تتعلّق بمواعيد التعاطي؛ إذ المعروف أنّ المدمن يشعر بالحاجة إلى ما أدمن عليه من مسكر أو مخدّر في الموعد الّذي اعتاد تناوله. فإذا تجاوز هذا الوقت و تكرّر هذا التجاوز فترت حدّة العادة و أمكن التغلّب عليها. حتّى إذا تمّت هاتان الخطوتان جاء النهي الحازم الأخير بتحريم الخمر و الميسر: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[٢].
و أمّا في الرقّ مثلا، فقد كان الأمر أمر وضع اجتماعيّ اقتصاديّ، و أمر عرف دوليّ و عالميّ في استرقاق الأسرى، و في استخدام الرقيق. و الأوضاع الاجتماعيّة المعقّدة تحتاج إلى تعديل شامل لمقوّماتها و ارتباطاتها قبل تعديل ظواهرها و آثارها. و العرف الدّوليّ يحتاج إلى اتّفاقات دوليّة و معاهدات جماعيّة. و لم يأمر الإسلام بالرقّ قطّ؛ و لم يرد في القرآن نصّ على استرقاق الأسرى! و لكنّه جاء فوجد الرقّ نظاما عالميّا يقوم عليه الاقتصاد العالميّ، و وجد استرقاق الأسرى عرفا دوليّا، يأخذ به المحاربون جميعا. فلم يكن بدّ أن يتريّث في علاج الوضع الاجتماعيّ القائم و النظام الدوليّ الشامل.
و قد اختار الإسلام أن يجفّف منابع الرقّ و موارده حتّى ينتهي بهذا النظام كلّه- مع الزمن- إلى
[١] النساء ٤: ٤٣.
[٢] المائدة ٥: ٩٠.