التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٧ - سورة البقرة(٢) آية ٢١٣
و عندئذ و بمقتضى قاعدة اللطف فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِ نصوص الشرائع الإلهية الغرّاء، و الّتي هي بدورها القول الفصل لِيَحْكُمَ ليفصل بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من مهامّ شئونهم في الحياة.
و لكن، إن كان هناك من العوامل الّتي تبعث على الجدل و التناحر، هو الانحراف عن جادّة الحقّ- مهما كان واضحا- حيث غلبة الهوى و اتّباع الشهوات و حبّ الذات في صورها الإفراطيّة الباعثة على التطاول و التجاوز و حبّ التكاثر المقيت.
و كان من هذه العوامل ما ظلّت كامنة في جبلّة الإنسان، من غير أن تزول بسهولة، لو لا الارتياض على التقوى و حبّ الصلاح.
تلك رواسب كمنت في واقع الإنسان، فأنّى قلعها و الانفلات منها لو لا تداوم القرع العنيف بمهميز التبشير القاطع و الإنذار القامع.
نعم، إنّ من تلك الرواسب ما بقيت منها بقيّة، و من ثمّ كانت السبب في عودة الاختلاف، حتّى بعد أن جاءهم الهدى و واجهتهم الآيات و البيّنات.
وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ اختلفوا في تفسير الحقّ الّذي جاءهم إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ و لمسوه و وجدوه حقّا، لو لا التنافس على المطامع و الرغائب. اختلافا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ.
فقد جاءهم الكتاب. و مع ذلك كان الهوى يغلب الناس من هنا و هناك، و كانت المطامع و الرغائب و المخاوف و الضلالات تجعل من الناس تبتعد عن قبول الحقّ و عن الانصياع لحكم الكتاب.
بَغْياً بَيْنَهُمْ و البغي هو الحسد و الحرص على المطامع و الرغائب، هو الّذي قاد الناس إلى المضيّ في الاختلاف و في التفرّق و اللجاج و العناد.
و هذه حقيقة، فما يختلف اثنان على أصل الحقّ الواضح اللائح في الكتاب، إلّا و في نفس أحدهما أو كلاهما بغي و هوى و زلّة عن الفطرة المستقيمة.
فأمّا حينما يكون هناك إيمان و عقيدة صادقة، فلا بدّ من التفاهم و الاتّفاق و الالتقاء على منهج الحقّ.
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ. حيث كان النفوس مستعدّة لقبول الحقّ، و الحكمة ضالّة المؤمن أخذها حيث وجدها. وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ من عباده المؤمنين إِلى