التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٣ - وقفة حاسمة
قال الشيخ محمّد عبده: و يَنْظُرُونَ في الآية بمعنى ينتظرون، و هي كثيرة الاستعمال بهذا المعنى في القرآن، و لا سيّما في أمور الآخرة، كقوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً[١] و قوله: ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ[٢].
و إتيان اللّه تعالى، فسّره الجلال و آخرون بإتيان أمره أي عذابه، كقوله تعالى- في آية أخرى-:
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ[٣]. أي فهو بمعنى ما جاء من التخويف بعذاب الآخرة في الآيات الكثيرة الموافقة لهذه الآيات في أسلوبها.
قال السيّد رشيد رضا: و أقرّ الأستاذ الإمام الجلال على ذلك، و بيّن في الدرس أنّ هذا الاستعمال من أساليب العرب المعروفة، من حذف المضاف و إسناد الفعل إلى المضاف إليه مجازا، و أوضحه أتمّ الإيضاح. فهو على حدّ وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ[٤].
قال السيّد: و من المفسّرين من قال: إنّ الإسناد حقيقيّ، و إنّما حذف المفعول للعلم به من الوعيد السابق، أي هل ينظرون إلّا أن يأتيهم اللّه بما وعدهم به من الساعة و العذاب؟
قال: و عدّه آخرون من المتشابهات، و أنّه تعالى يأتي بذاته، لكن بلا كيف؟!
قال: و هذا لا يصحّ، إذ لا يجعل كلّ ما أسند إليه تعالى من المتشابه الّذي لا يفهم بحال، و لا يفسّر و لو بإجمال. هذا مع العلم بأنّه تعالى إنّما ينذر الّذين زلّوا عن صراطه و فرّقوا دينه، بأمر معروف لهم في الجملة، لا بشيء مجهول مطلق!
و ممّا يدلّنا على أنّ المراد بالآية ما ذكرنا قوله تعالى: وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَ نُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا[٥]، مع الآيات الكثيرة الناطقة بأنّ قيام الساعة و خراب العالم يكون إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ[٦] و انتثرت كواكبها ... و إنّما يأتي بذلك اللّه تعالى بتغيير هذا النظام الّذي وضعه لارتباط الكواكب و حفظ كلّ كوكب في فلكه.
قال: و أما «ظلل الغمام» فهي قطع السحاب و هي جمع ظلّة- كغرف و غرفة- و هي ما أظلّك.
و الغمام جمع غمامة- كسحاب و سحابة وزنا و معنى- سمّي بذلك لأنّه يغمّ السماء أي يسترها.
[١] محمّد ٤٧: ١٨.
[٢] يس ٣٦: ٤٩.
[٣] النحل ١٦: ٣٣.
[٤] يوسف ١٢: ٨٢.
[٥] الفرقان ٢٥: ٢٥.
[٦] انشقاق ٨٤: ١.