التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٧ - سورة البقرة(٢) آية ٢٠٧
نفر من قريش، فنزل عن راحلته و انتثل ما في كنانته، ثمّ قال: يا معشر قريش قد علمتم أنّي من أرماكم رجلا، و أيم اللّه لا تصلون إليّ حتّى أرمي بكلّ سهم في كنانتي، ثمّ أضرب بسيفي ما بقي في يدي فيه شيء، ثمّ افعلوا ما شئتم، و إن شئتم دللتكم على مالي و قنيتي بمكّة و خلّيتم سبيلي! قالوا:
نعم. فلمّا قدم على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «ربح البيع، ربح البيع!» و نزلت: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ[١].
*** قلت: و الآية و إن كانت عامّة في ظاهر تعبيرها، لتشمل كلّ مجاهد في سبيل اللّه، باذل نفسه في سبيل مرضاته تعالي، غير أنّ شأن نزولها قد يخصّ مناسبة ما، و قد رجّح أصحاب النظر أنّها حادث ليلة المبيت، و الّتي باها اللّه بها ملائكته.
فلا يتنافى و شمولها لمثل سريّة الرجيع و غيرها، ممّا كان للمؤمنين موقف صلب تجاه غلواء أبناء الشياطين. و منها موقف صهيب الشهم الجريء.
أمّا كون نزولها بشأنه بالذات، فهذا ممّا يتنافى و ظاهر تعبير الآية، و قد استنكره أصحاب النظر من المفسّرين.
قال الشيخ أبو الفتوح الخزاعي الرازي: و هذا لا يصحّ، لأنّ التعبير ب يَشْرِي نَفْسَهُ يفيد معنى «يبذل نفسه» المتّفق مع حادث المبيت، حيث بذل علي عليه السّلام نفسه في سبيل مرضاة اللّه. أمّا صهيب فقد ابتاع نفسه و افتداه بالمال. فقد بذل ماله لخلاص نفسه، و هذا و إن كان عملا جميلا و جليلا، لكنّه غير مفاد الآية الكريمة بالذات[٢].
[١] الدرّ ١: ٥٧٥- ٥٧٦؛ الطبقات الكبرى ٣: ٢٢٨؛ بغية الباحث للحارث بن أبي أسامة: ٢١٤/ ٦٧٧، باب ٢؛ ابن أبي حاتم ٢: ٣٦٨- ٣٦٩/ ١٩٣٩، و زاد: و روي عن أبي العالية و الربيع بن أنس، نحو ذلك؛ الحلية ١: ١٥١؛ ابن عساكر ٢٤:
٢٢٨، باب ٢٩٠٥؛ أسباب النزول للواحدي: ٣٩؛ القرطبي ٣: ٢٠؛ ابن كثير ١: ٢٥٤؛ الثعلبي ٢: ١٢٥ عن سعيد بن المسيب و عطاء؛ البغوي ١: ٢٦٦؛ أبو الفتوح ٣: ١٥٧- ١٥٨.
[٢] أبو الفتوح ٣: ١٥٨.