التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٨ - ما ذا يكون هذا العهد و الميثاق الذي أخذه الله على العباد؟
بالإقرار بربوبيّته، في قوله: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ ...[١]. العهد الثاني عهد خصّ به النبيّين أن يبلّغوا الرسالة و يقيموا الدّين و لا يتفرّقوا، في قوله: وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ...[٢]. العهد الثالث عهد خصّ به العلماء من أهل الكتاب، في قوله: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ[٣].[٤].
نعم كان عهد اللّه المعقود مع البشر يتمثّل في عهود كثيرة: إنّه عهد الفطرة المركوزة في جبلّة كلّ إنسان منذ أن نشأ، يعرف خالقه و يتّجه بكلّ وجوده إليه في بخوعه و الاستكانة لديه ثمّ الاستعانة به و الانقطاع إليه في حوائجه. و لا تزال هذه الرغبة الملحّة للاعتقاد باللّه العظيم في الفطرة عبر الوجود، عقيدة راسخة في جوهر كلّ موجود، ليحنّ إلى بارئه مستعطفا إيّاه راغبا في رعايته و عنايته الشاملة، هو الرحمن الرحيم. وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ[٥].
و هذه هي الهداية الربّانيّة شملت كلّ شيء و كلّ موجود برز إلى الوجود: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى[٦]. سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى. الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى. وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى[٧].
و هذه هي الهداية خصّ بها الإنسان في مراحل:
أولاها: عند ما عرض الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ[٨] حيث القابليّة و تواجد الصلاحيّة لحمل عبء الأمانة و ركيزتها العقل الرشيد.
ثانيتها: حيثما جعله خليفته في الأرض[٩]، لتتمثّل فيه جلائل صفاته تعالى، و يصبح مظهرا تامّا لصفات الجمال و الجلال. حيث أودعه قدرة الإبداع و التفكير و التدبير.
ثالثتها: أن علّمه الأسماء كلّها[١٠]، بأن أودع فيه الهيمنة على استكشاف أسرار الوجود و العثور على كوامن الطبيعة ليستخرجها و يستخدمها في عمارة الأرض و إحياء معالمها: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها[١١].
[١] الأعراف ٧: ١٧٢.
[٢] الأحزاب ٣٣: ٧.
[٣] آل عمران ٣: ١٨٧.
[٤] التفسير الكبير ٢: ١٤٧- ١٤٨، المسألة ١٨.
[٥] الإسراء ١٧: ٤٤.
[٦] طه ٢٠: ٥٠.
[٧] الأعلى ٨٧: ١- ٣.
[٨] الأحزاب ٣٣: ٧٢.
[٩] البقرة ٢: ٣٠.
[١٠] البقرة ٢: ٣١.
[١١] هود ١١: ٦١.