التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢٢ - سورة البقرة(٢) الآيات ٤٠ الى ٤٦
الجديدة و يؤمن للرسول الجديد؛ مذ كان القرآن يصدّق ما جاءت به التوراة في عمومه، و مذ كانوا هم يتوقّعون رسالة هذا الرسول، و عندهم أوصافه في البشارات الّتي يتضمّنها كتابهم؛ و هم كانوا يستفتحون به على العرب المشركين[١].
و هذا العرض- من آيات سورة البقرة- هو الشوط الأوّل من تلكم الجولة الواسعة مع بني إسرائيل بل هذه الحملة الشاملة لكشف مواقفهم و فضح مكائدهم بعد استنفاد كلّ وسائل الدعوة معهم لترغيبهم في الإسلام، و الانضمام إلى موكب الإيمان بالدين الجديد.
تبدأ هذه الجولة بنداء علويّ جليل إلى بني إسرائيل، تذكّرهم بنعمته تعالى عليهم و تدعوهم إلى الوفاء بعهدهم معه ليوفي بعهده معهم، و إلى تقواه و خشيته؛ يمهّد بها لدعوتهم إلى الإيمان بما أنزله مصدّقا لما معهم، و تندّد بموقفهم منه موقف المعاند، و كفرهم به أوّل من يكفر! كما تندّد بتلبيسهم الحقّ بالباطل و كتمان الحقّ ليموّهوا على الناس- و على المسلمين خاصّة- و يشيعوا الفتنة و البلبلة في الصفّ الإسلامي الموحّد، و الشكّ و الريب في نفوس الداخلين في حظيرة الإسلام، و تأمرهم أن يدخلوا مع الداخلين، فيقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة و يركعوا مع الراكعين، مستعينين على قهر نفوسهم و تطويعها للاندماج في الدين الجديد، بالصبر و الصلاة: بترويضها على المقاومة في سبيل الحقّ. و بالابتهال إلى اللّه ليعينهم على فهم الحقّ و الانصياع له.
فأوّل خطوة تخطوها هذه الجولة أن تذكّرهم بنعم اللّه الّتي أسبغها عليهم في تاريخهم الطويل، مخاطبا الحاضرين منهم كما لو كانوا هم الّذين تلقّوا هذه النعم على عهد موسى عليه السّلام. و ذلك باعتبار أنّهم أمّة واحدة متضامنة الأجيال، متّحدة الجبلّة. كما هم في حقيقة الأمر سواء وفق ما بدى من صفاتهم و مواقفهم في جميع العصور.
و تعاود تخوّفهم باليوم الّذي يخاف الوحدة و الوحشة فيه، حيث لا تجزي نفس عن نفس شيئا و لا يقبل منها شفاعة، و لا يؤخذ منها فدية، و لا يجدون من ينصرهم و يعصمهم من عذاب اللّه!
قال تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ..
تلك النعم الّتي أفاضها عليكم طول حياتكم و فضّلكم ببعث الأنبياء منكم من لدن موسى الكليم فإلى عهد عيسى المسيح.
[١] البقرة ٢: ٨٩.