التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٤ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٦ الى ٢٧
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦ الى ٢٧]
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧)
هنا يأتى دور الحديث عن الأمثال الّتي يضربها اللّه في القرآن:
هذه الآية تشي بأنّ المنافقين الّذين ضرب اللّه لهم مثل الّذي استوقد نارا، و مثل الصيّب الّذي فيه ظلمات و رعد و برق- أضف إليهم اليهود و كذلك المشركين- قد اتّخذوا من ورود هذه الأمثال في هذه المناسبة، و أمثال أخرى جاءت في السور المكّيّة كالّذي ضربه اللّه مثلا للذين كفروا بربّهم كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ[١]. و كالّذي ضربه اللّه مثلا لعجز آلهتهم المدّعاة عن خلق الذباب: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ[٢].
فهؤلاء و هؤلاء قد وجدوا في هذه المناسبة منفذا للتشكيك في صدق الوحي بهذا القرآن، بحجّة أنّ ضرب الأمثال هكذا بما فيها من تحقير لهم و سخريّة منهم لا تصدر عن اللّه، و أنّ اللّه لا يذكر هذه الأشياء الصغار كالذباب و العنكبوت في كلامه المتعالي الحكيم! و كان هذا طرفا من هجمة التشكيك و إيجاد البلبلة في نفوس العامّة، و الّتي يقوم بها المنافقون و اليهود في المدينة، و من قبلهم المشركون في مكّة.
فجاءت هذه الآيات دفعا لهذا الدسّ الخبيث، و بيانا لحكمة اللّه في ضرب الأمثال، و تحذيرا للمعاندين من عاقبة الاستدراج بها، و تطمينا للمؤمنين أن ستزيدهم إيمانا و تثبيتا:
[١] العنكبوت ٢٩: ٤١.
[٢] الحجّ ٢٢: ٧٣.