التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٥ - اشتقاق كلمة«قدوس»
و أمّا إرادته، فينزّهها عن أن تدور حول الحظوظ البشريّة الّتي ترجع إلى لذّة الشهوة و الغضب، و متعة المطعم و المنكح و الملبس و الملمس و المنظر، و ما لا يصل إليه من اللذّات إلّا بواسطة الحسّ و القالب، بل لا يريد إلّا اللّه- عزّ و جلّ- و لا يبقى له حظّ إلّا فيه، و لا يكون له شوق إلّا إلى لقائه، و لا فرح إلّا بالقرب منه. و لو عرضت عليه الجنّة و ما فيها من النعيم لم تلتفت همّته إليها، و لم يقنع من الدارين إلّا بربّ الدارين.
و على الجملة، الإدراكات الحسّيّة و الخياليّة يشارك البهائم فيها، فينبغي أن يترقّى عنها إلى ما هو من خواصّ الإنسانيّة. و الحظوظ البشريّة الشهوانيّة يزاحم البهائم أيضا فيها، فينبغي أن يتنزّه عنها. فجلالة المريد على قدر جلالة مراده.
و من همّته ما يدخل في بطنه، فقيمته ما يخرج منه. و من لم يكن له همّة سوى اللّه- عزّ و جلّ- فدرجته على قدر همّته. و من رقّى علمه من درجة المتخيّلات و المحسوسات، و قدّس إرادته عن مقتضى الشهوات، فقد نزل بحبوحة حظيرة القدس[١].
رأي المشايخ في اسمه تعالى «القدّوس»
ذكر الإمام الرازي أنّ بعض الشيوخ قال: القدّوس، من تقدّست عن الحاجات ذاته و تنزّهت عن الآفات صفاته.
و قيل: القدّوس، من قدّس نفوس الأبرار عن المعاصي، و أخذ الأشرار بالنواصي.
و قيل: القدّوس، من تقدّس عن مكان يحويه، و عن زمان يبليه.
و قيل: القدّوس، الّذي قدّس قلوب أوليائه عن السكون إلى المألوفات، و أنّس أرواحهم بفنون المكاشفات[٢].
اشتقاق كلمة «قدّوس»
قال بعضهم: أصل هذه الكلمة سريانيّة، و هو: قدّيسا. و هم يقولون في أدعيتهم: قدّيس قدّيس.
[١] المقصد الأسنى، في شرح أسماء اللّه الحسنى، لأبي حامد الغزالي: ٧١- ٧٣.
[٢] شرح أسماء اللّه الحسنى، للإمام الرازي: ١٨٦.