التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٥ - ٥ - الإيقان بالآخرة
عبثا. و لن يترك سدى؛ و أنّ العدالة المطلقة في انتظاره، ليطمئنّ قلبه، و تستقرّ بلابله، و يفيء إلى العمل الصالح، و إلى عدل اللّه و رحمته في نهاية المطاف.
قال سيّد قطب: و اليقين بالآخرة هو مفرق الطريق بين من يعيش بين جدران الحسّ المغلقة، و من يعيش في الوجود المديد الرحيب. بين من يشعر أنّ حياته على الأرض هي كلّ ما له في هذا الوجود، و من يشعر أنّ حياته على الأرض ابتلاء يمهّد للجزاء، و أنّ الحياة الحقيقيّة إنّما هي هنالك، وراء هذا الحيّز الصغير المحدود. يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ[١]. إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ[٢].
[٢/ ٩٦] و في الحديث: «إنّما خلقتم للبقاء لا للفناء»[٣].
فهذه العقيدة- في حقيقتها- تجعل الإنسان على أهبة العمل لحياة خالدة، و أن لا يقصر همّه على متع الحياة الدنيا الزائلة. وَ ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ[٤] وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى[٥]. و التأكيد على الحياة الأخرى كثير في القرآن، سوف نبحث عنه في مجاله. إن شاء اللّه.
*** و كلّ صفة من هذه الصفات- كما رأينا- ذات قيمة في الحياة الإنسانيّة، و من ثمّ كانت هي صفة المتّقين، أي المتعهّدين بالذمم الأخلاقيّة و أصحاب الشعور الإنساني في الحياة.
قال سيد قطب: و هناك تساوق و تناسق بين هذه الصفات جميعا، هو الّذي يؤلّف منها وحدة متناسقة متكاملة. فالتقوى شعور في الضمير، و حالة في الوجدان، تنبثق منها اتّجاهات و أعمال؛ و تتوحّد بها المشاعر الباطنة و التصرّفات الظاهرة؛ و تصل الإنسان باللّه في سرّه و جهره. و تشفّ منها الروح، فتقلّ الحجب بينها و بين الكلّيّ الّذي يشمل عالمي الغيب و الشهادة، و يلتقي فيه المعلوم و المجهول. و متى شفّت الروح و انزاحت الحجب بين الظاهر و الباطن، فإنّ الإيمان بالغيب عندئذ
[١] الانشقاق ٨٤: ٦.
[٢] البقرة ٢: ١٥٦.
[٣] راجع: تفسير الإمام: ١١٧؛ البحار ٣٧: ١٤٥. و كذا اعتقادات الصدوق: ٤٧، باب ١٥( مصنفات المفيد ٢٥)؛ البحار ٦:
٢٤٩ و ٥٨: ٧٨.
[٤] العنكبوت ٢٩: ٦٤.
[٥] الأعلى ٨٧: ١٧.