التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٤ - المكي و المدني
و في سورة الحجرات المدنيّة بلا ريب[١]، جاء قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣).
و قد زيّفنا احتمال كون الآية بالذات مكيّة أقحمت في سورة مدنيّة، و أن لا دليل عليه سوى الاحتمال و الحدس، فقد استدلّوا بلحن الخطاب و هو استدلال دوريّ كما نبّهنا[٢].
و عليه فقد صحّ ما أخرجه ابن أبي شبية عن عكرمة- حسبما تقدّم[٣] كما لم نجد في سورة مكّية خطاب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا حسبما جاء في حديث ابن مسعود الآنف[٤].
و ما روي خلاف ذلك فلا بدّ من ضرب من التأويل فيه.
قوله تعالى: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
[٢/ ٥٨٣] قال ابن عبّاس: كلّ ما ورد في القرآن من العبادة فمعناه التوحيد[٥].
[٢/ ٥٨٤] و في تفسير العسكري: قال علي بن الحسين عليه السّلام «في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني سائر المكلّفين من ولد آدم اعْبُدُوا رَبَّكُمُ أطيعوا ربّكم من حيث أمركم أن تعتقدوا أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و لا شبيه له و لا مثل. عدل لا يجوز، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حكيم لا يخطل[٦]، ثمّ قال عز و جلّ: الَّذِي خَلَقَكُمْ اعبدوا الّذي خلقكم من نطفة من ماء مهين، فجعله في قرار مكين، إلى قدر معلوم، فقدّره فنعم القادر ربّ العالمين. الَّذِي خَلَقَكُمْ نسما و سوّاكم من بعد ذلك و صوّركم أحسن صورة، ثمّ قال عزّ و جلّ: وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، قال: و خلق اللّه الّذين من قبلكم من سائر أصناف الناس لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، قال: لها وجهان أحدهما: و خلق الّذين من قبلكم لعلّكم كلّكم تتّقون، أي لتتّقوا، كما قال اللّه عز و جلّ: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[٧]، و الوجه الآخر: اعبدوا الّذي خلقكم و الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون، أي اعبدوه لعلّكم تتّقون النار»[٨].
[١] هي مدنيّة قولا واحدا بإجماع- التمهيد ١: ١٧٣.
[٢] راجع: التمهيد ١: ٢٤٥.
[٣] برقم ٥٨٣/ ١.
[٤] برقم ٥٧٥/ ١.
[٥] البغوي ١: ٩٣.
[٦] خطل في كلامه: أتى بكلام كثير فاسد لا طائل تحته.
[٧] الذاريات ٥١: ٥٦.
[٨] تفسير الإمام: ١٣٥- ١٤٢.